21‏/09‏/2012

تسويات وسط المعارك أو الحرب الشاملة



من الطبيعي ان تجري خلف جدران المعارك العسكرية والسياسية والامنية الحامية في الوطن العربي محادثات بين الاطراف، لا تقل حماوة لايجاد حلول تجنّب المنطقة والاطراف جميعها حربا شاملة لا يمكن من الآن التكهن بنتائجها على الارض.
بيد أنه من المؤكّد أن نتائج هكذا حرب شاملة أو نتائج المفاوضات السياسية ستؤثر بالعمق على الوطن العربي بأكمله، كما أنها ستؤثر على السياسات الخارجية لدول الشرق والغرب .... واسرائيل.
ومن المفيد التكرار أن كل ما يجري من احداث على الساحة العربية سيطال بالنتيجة سلبا ام ايجابا الحالة الاسرائيلية في البقعة العربية وأيضا الاسلامية.
ومن المفيد التذكير أن اسرائيل تسعى بكل ما لها من طاقات ونفوذ على معظم دول العالم لتحويل "الربيع العربي" الى ربيع اسرائيلي، تنعم من خلاله بالامن الذي تطالب به والحماية من اية اعتداءات تأتي من دول الجوار.
وهذا ما تريده اميركا بكل اطيافها الحاكمة والمعارضة، لانها اولا تحت سيطرة المال اليهودي ولأنها ثانيا تحت سيطرة النفوذ اليهودي ولأنها ثالثا ورابعا والى ما لا نهاية تكره العرب الى ما لا نهاية.
لن ندخل في تحليل كره العالم للعرب، لأن العرب اساسا يكرهون بعضهم البعض... فلا عتب على الغير.
ولكن نريد ان نوضح ماذا يريد العالم من الانظمة العربية الجديدة... واجابة على هذا السؤال أقول بكل جدّية وأؤكّد... لا شيء.
لأن العرب أصلا لا يملكون شيئا كي يقدّمونه للعالم.... فقد أُخذ منهم كل شيء، والذي لم يؤخذ منهم أضاعوه ... مالهم ومواردهم ووحدتهم وحضارتهم وتاريخهم وعروبتهم وحتى كرامتهم.
لا يُخيّل لأحد أن العرب الذين يملكون نفطهم يستطيعون التحدي بنفطهم.. لأنهم إن لم يبيعوه للعالم سيموتون جوعا.
ولا يُخيّل لأحد أن العرب الذين يدّعون الايدولوجيات والمقاومة والثورات يستطيعون التحدّي بادّعاءاتهم... لأنهم منهمكون بقتال بعضهم البعض. ولأنهم تاهوا في متاهات القضايا المتراكمة .. فبعد القضية الفلسطينية برزت القضية اللبنانية ثم العراقية ثم السودانية ثم الليبية ثم المصرية ثم السورية... وضاعت كل هذه القضايا في الشوارع والزواريب والزنقات... وبات الجميع موظفون عن دراية او جهل لدى الشركة الاسرائيلية الغربية التي تبرمجمهم وتدير اعمالهم وفقا لمصالحها الخاصة.
ولكي يعم الجهل والفوضى في المنطقة العربية وايضا الاسلامية، حرّك المحرّكون الاعلام المسيء الى نبي الاسلام، فتحرّك المسلمون في انحاء العالم العربي والاسلامي يريدون الدفاع عن نبي ليس بحاجة الى دفاعهم وعن اسلام يفهمونه هم بطرق واشكال مختلفة ويختلفون فيما بينهم عليه.
لا يريد الغرب من العرب شيئا.. فقد حصلوا منهم على كل شيء.
والمصيبة الاوجع ان العرب لا يعرفون ما يريدون لأنفسهم وما يريدون لوطنهم.
لذلك فإنهم يمشون وراء اي تيار يحالفه الحظ ان يمسك بالشارع ويحكمه فترة معينة، وعندما يأتي اوان رحيله يمشون وراء من يليه.
وهذا يعيدنا الى الحالة الاسرائيلية...لأنها اذا استقرّت ستستقرّ الاوضاع في بلادنا.. وهذا للأسف واقع لا أحبه ولكن لا استطيع تجاهله.
حرّكت اسرائيل جيشها في هضبة الجولان السورية، لتحمي النظام السوري أم لتضربه الضربة القاضية؟ أم لأنها اتخذت من مباهاة قائد الحرس الثوري الايراني ان حزب الله سيدافع عن ايران اذا ضربتها اسرائيل؟ فكانت ذريعة لاسرائيل لتعرض عضلاتها وتطلق تهديداتها للبنان قبل سوريا .. من الجولان.
هل شعرت اسرائيل بطبخة ما بين الادارة الاميركية وايران تستوي على نار هادئة لتنضج مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في اميركا؟ وتحقق لاوباما انجازا ما يساعده على رفع اسهمه لدى ناخبيه.. كما يُكسب ايران نفوذا سياسيا في الشرق الاوسط.
لا يريد العالم شيئا من العرب، ولكنهم يريدون اشياء كثيرة من ايران!
لأن ايران برهنت انها ندّ فعلي لاسرائيل في المنطقة وليس العرب.
ولأن ايران برهنت انها لديها امكانات استثنائية لا يملكها العرب الذين انهكتهم وللأسف السنون بجمع الاموال والخلافات وأنستهم ابسط مباديء الانتماء لوطنهم.
ولأن ايران أثبتت انها تقدر على المحاورة والتأثير وكسب الوقت والخدعة السياسية وان لديها آلة عسكرية ضخمة وان جيشها ليس منقسما ولا تؤثر فيه الحالات السياسية المختلفة في ايران.
 لذلك فإن نقاش التسويات وراء جدران المعارك العسكرية والسياسية والامنية الحامية في الوطن العربي، لا تجري باعتقادي بين العرب والعالم الغربي انما بين ايران والعالم الغربي واميركا بالتحديد .. والعرب تابع او تحصيل حاصل للأسف.
ويشارك في هذه المناقشات الصين وروسيا كل من موقعه وامكاناته... السياسية والاقتصادية والعسكرية.. فاذا تمّت صفقة ما مع ايران فسيكون الصينيون والروس الضامنون لها وسيأخذون اجرهم بالكامل من الوطن العربي بالكامل.
ولأن اسرائيل شعرت بأن شيئا ما يجري من وراء ظهرها.. أو ربما يجري بمعرفتها ولكن لا توافق عليه.. ولأنها لا تريد اية مكاسب لايران في المنطقة إذ أي مكسب لايران هو خسارة كبرى لاسرائيل.. لذلك فقد شمّرت عن زنودها واظهرت عضلاتها .. وهددت بحرب شاملة.. تخربط ما يتفق عليه الغير مع ايران.
ويبقى القول ان كل ما ذكرته عن ايران واقع ... الا ان الخطأ الايراني الجسيم والذي سيعرقل قطعا تقدّمها السياسي في الوطن العربي قبل ان تعرقله اسرائيل ربما .. هو تطرّفها المذهبي الشيعي.. والذي تمارسه يوميا في سياساتها الداخلية والخارجية.....
والمحاورون يعرفون هذه العلة ... ومطمئنون الى أن ما يقدّمونه لايران اليوم بيد سيؤخذ منها لاحقا باليد الاخرى.
لكن لا يبدو ان اسرائيل تريد ان تقوم بأية مخاطرة من هذا القبيل.. ولهذا فهي تعتقد أن التعامل مع العرب كما هم الآن افضل بكثير من التعامل مع قوى جديدة وقوية ولا يمكن التكهن بما ستقوم به اذا استقر لها الحال في المنطقة.

سامي الشرقاوي

14‏/09‏/2012

جنون الشعوب والربيع الاصفر

راهنت اسرائيل وعملائها على حميّة الجاهلية التي تتميّز بها شعوبنا العربية والاسلامية، ونجحت في تأليبهم على انتفاضة عمياء في شوارع الاوطان، تأكل أخضرها وعمارها، وتجعلها تنزف دماء تسيل من اخوة واخوات دون جدوى وبلا ثمن.

حاصرت الشعوب نفسها، وأمعنت في الاعتداء على كل من يقف بوجهها، وتفوقت في اقتحام سفارات بلاد، وايذاء وحتى قتل قاطنيها وبعضهم من شهّر به.
تقول الزمر من الشعوب التي انهكت ديارها، انها تريد الثأر لعرض فيلم مسيء لرسول الاسلام محمد عليه الصلاة والسلام... فأساءت الى نفسه الطاهرة والى الدين الاسلامي، مرّات عدة فاقت ما فعله هذا الفيلم السينمائي المشؤم، وبرهنت بالادلة القاطعة بأن في شعوبنا العربية والاسلامية فئات ميؤوس منها وعبثاً المناداة برفع القيود عنها ومنحها الحريات المدنية المقدسة.
لا اريد ان أعمم، فإن فئات محددة من شعوبنا، اتيح لها امتلاك الشارع في فورةغضب، فعبّرت عن كل الجهل الذي يمتلك مكنونها، ولم تختلف بذلك عن تلك الفئات اليهودية التي ضلّت واصرّت على ضلالها حتى قضى الله بأمرها فجعلها تتوه سنين عدة لا تجد نفسها.
وأكاد اجزم ان هذه الفئات من الشعوب على ضلالتها انما هي تعمل في الحقيقة ما تريده اسرائيل بوجه خاص وما يريده اعداء الامة العربية والاسلامية بشكل خاص.
كتب صديق لي في احد المواقع الاجتماعية عن الاساءة للرسول صلى الله عليه وسلم وعن ردود الفعل على هذه الاساء، وهو من الجيل الناشيء، فقال وكم اسعدني رأيه:
" كفار قريش كانوا يقولون قصائد تذم الرسول وصحابته الكرام ، ولم تصل لنا هذه القصائد لأن المسلمين لم يتناقلوها ولم يعيروها أي اهتمام فأندثرت ، وعلينا أن نتعامل مع الفيلم المسئ بنفس الأسلوب ولا نعطيه اكبر من حجمه فينتشر اكثر..
آعملوآ بوصية ابن الخطآب عندما قال :
اميتوا البآطل بالسّكوت عنه ولآ تثرثروآ
فينتبه الشامتون "

ويقول المتنبي في بيت شهير له:
واذا اتتك مذمتي من ناقص .... فهي الشهادة لي بأني كامل

فوالله لن يستطيع مخلوق في الارض والسماوات ان ينتقص من قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا من قدر اي نبي ورسول من انبياء ورسل الله عليهم السلام.
ووالله لن يستطيع مخلوق في الارض والسماوات ان يزيد من كرامة المصطفى عليه الصلاة والسلام ولا من كرامة أي نبي ورسول من انبياء ورسل الله بعد ان افاض عليهم الله كل الكرامات.
فتجنّبوا بذائة الكلام وحماقة الفعل.
وإن كنتم تريدون نصرة الاسلام ونبي الاسلام صلى الله عليه وسلم فعليكم بالاجتهاد في العلم والمعرفة والثقافة، حتى لا يحرضنّكم خسيس ولا يكسر شوكتكم لئيم.
واعلموا انكم ان رفعتم من مقامكم في وطنكم ومجتمعكم ودينكم فتكونوا قد نلتم رضى الله وانبياءه ورسله وهم يعززوكم ويكرّمونكم في الدنيا والآخرة.
ليس الله ورسوله بحاجة لنصرتكم من نواقص الناس.
انما الله ورسوله يريدونكم ان تنصروهم في عملكم وعلمكم وخلقكم.
لن نصبح أمّة راقية تستحقّ الاحترام ويهابها الاعداء الاّ عندما نتغلّب على الجهل الذي نتخبّط به والذي يرموننا بما يحرّك فينا نزعاته بين فترة وأخرى.
وحتّى نستحقّ أدياننا التي ننتمي اليها يجب أن نتحصّن بإيمانٍ بالله لا يهزّه ولا يزعزعه أيّة فتنة يصطنعها أعدائنا لتأجيج خلافاتنا فنشقى ويهنؤون.
وإذا لا نستطيع أن نقتنع أننا جميعا في الوطن العربي إخوة نعيش تحت سقف واحد ويجمعنا مصير واحد فلسوف تستحقّ كل ما يحاك ضدّنا لأننا لن نقدر على ردعه.
فاتقّوا الله في اوطانكم وأديانكم ومجتمعاتكم
الفتنة الدينية التي تدق ابواب هذه الامة هي تدبير سياسي بكل ما لهذه العبارة من معنى.
وهذا التدبير السياسي ليس وراءه بنظري الاّ اسرائيل.
ومهما ابتعدنا عن اسباب ما يحصل وتهنا في دوامات الاحداث الجارية على ارض الواقع، يبقى السبب الرئيسي الذي يُشعل هذا الفتنة في بلادنا العربية والاسلامية هو الوجود الاسرائيلي في المنطقة منذ التاريخ وحتى يومنا هذا.
ويزيد في هذا الطين بلّة تلك المحاولات القذرة والمكشوفة من عملاء الموساد في اميركا واوروبا، الذين يمعنون في بثّ كل ما يثير الحنق والغضب والحقد بين الطوائف وبين ابناء المنطقة العربية من جهة والشعوب الغربية من جهة.
أليس المخرج الذي اخرج الفيلم للمسيء للرسول صلى الله عليه وسلم هو مخرج اسرائيلي يدعى سام باشيل او باشيلي ، وان المنتج هو القس المنبوذ تري جونز الذي حاول احراق المصحف الشريف من قبل؟ وأن الاموال لانتاج الفيلم تم جمعها من مجموعات معروفة في ميولها العدائية وهوياتها المخابراتية الاسرائيلية؟
فلماذا نعمّ الاتهام ليشمل اخوانا لنا نتقاسم واياهم لقمة العيش والمصير في اوطاننا؟
ويُبكي القلب فعلا هذا التسرّع بتأجيج العصبية الدينية والمذهبية، وتأليب الشارع العربي والاسلامي استنكارا لأعمال قام بها حثالة الناس في اميركا واوروبا واسرائيل والمعروف انتمائهم ووظائفهم. وتبقى النتيجة على ارضنا: اتهام جميع الناس في الشارع وإقامة الحدود عليهم، والتسبب بأذيتهم في عيشهم وامنهم ورزقهم ..... ويبقى الذين تسببوا بالمشكلة طلقاء يهنيء بعضهم بعضا على ما جنته ايديهم وما جنته ايادي بعض ابنائنا.
لقد نجحت اسرائيل في افتعال الازمات في بلادنا العربية والاسلامية ونجحت بعد ذلك في ادارة تلك الازمات، حتى وصلنا الى ما نحن فيه من فتن لا يُخمدها الاّ الدول الكبرى بموافقة اسرائيل! وهذه الطامة الكبرى.
فمتى نُدرك أن كل الفتن المشتعلة عندنا هي صناعة اسرائيلية ومن أجل حماية امن اسرائيل. حتى صارت اسرائيل قوة عسكرية محمية بدعم عالمي شاسع ويتوفّر لها كل الامكانيات السياسية والمالية والعسكرية وما يتفرع من تلك الامكانيات. وصارت جيوشنا منهمكة فقط في حفظ الامن الداخلي للبلاد.
إذا اقتنعت حكومات وشعوب الدول العربية والدول الاسلامية أنّهم وهم يملكون ثلث ثروات العالم، يستطيعون توظيف قسمٍ من تلك الثروات لانجاح المقاومة العربية الحقيقية ضد اسرائيل. عندها فقط يكون للعرب ربيعا.
أو ستظل أوراق الربيع صفراء تتساقط في بلادنا. وتتساقط معها دولنا. ونتساقط نحن حتى يرى الله فينا امره.

سامي الشرقاوي

05‏/08‏/2012

الحروب الصليبية ونتائجها علينا في المقلب الآخر


فشلت الحروب الصليبية التي خاضتها دول اوروبا الدينية مجتمعة ومتفرقة فشلا ذريعا من الناحية العسكرية وأدّت الى قيام دولة اسلامية عثمانية استطاعت خلال فترة وجيزة ان تصبح دولة عُظمى يخشاها الشرق والغرب.
واستطاعت الدولة العثمانية الاسلامية ان تهيمن على كافة منطقة الشرق الاوسط ودول البحر الاحمر وطالت فتوحاتها دول اوروبا على ساحل البحر الابيض المتوسط والمغرب العربي وبعض دول افريقيا على ساحل الاطلنطي غربا وساحل افريقيا الشرقي في بحر الهند امتدادا الى الخليج العربي الفارسي وبعض اقاليم الشرق الادنى. كما طاولت ايضا دول اوروبا الوسطى واخضعتها لحكمها.
كانت هذه النتائج المباشرة في منطقتنا.
أما النتائج المباشرة في اوروبا فقد كانت عكسية بمعنى ان دول اوروبا الغربية ايقنت كلها ان النزعة الدينية في التركيبة السياسية لا تؤدي الى النتائج المطلوبة بل على العكس تودي احيانا الى التهلكة. وايقنوا ان النزعة الدينية في السياسة تقابلها نزعة دينية اخرى. وكانت عليهم اشد اذ وصل المسلمون الى مشارف العاصمة الفرنسية بجندهم وخيلهم.
لذلك كان من اهم نتائج الحروب الصليبية في اوروبا هو الانقلاب على سلطة الكنيسة وتحويل السلطة تدريجا في البلاد الى سلطات مدنية لا يصل نفوذ الكنيسة اليها.
وبسرعة فائقة استطاعوا احتواء هزائمهم وشدّوا عزائمهم وعملوا على اضعاف الدولة العثمانية بالحنكة والدهاء والتكاتف السياسي بين دول اوروبا الغربية والشرقية مع بعضها البعض.
وكانت قمة دهائهم في زرع بذور الفتن الطائفية بين الاطياف من العراق الى لبنان وفلسطين الى درجة وقوع مجازر وصراعات عنيفة بين تلك الطوائف لم يكن بإمكان الدولة العثمانية التي ظهرت عليها علامات الشيخوخة ان تنجح في اطفائها.
ولكي يُرضوا الكنيسة سمحت حكومات الدول الاوروبية بارسال بعثات تبشيرية الى بلدان الشرق الاوسط كانت لها وظائف متعددة. فبالاضافة الى وظيفتها الدينية التبشيرية الاساسية كان لها وظائف سياسية وتجسسية وعملت على تأليب الطوائف المسيحية على الطوائف الاسلامية. واسست لتوسيع الهوّة بين الطائفة السنية والطائفة الشيعية في كل من العراق وسوريا ولبنان على وجه الخصوص.
ولما قامت الحرب العالمية الاولى كان من السهل على دول الغرب القضاء على الدولة العثمانية واخضاعها وارث ممتلكاتها في المنطقة وانشاء انظمة سياسية تابعة لها. غير انها لم تهمل يوما تقوية الحالات الدينية في المجتمعات التي كانت تنادي بتحرير الاوطان، والتي كانت ايضا لا تعترف الا بالتعليم الديني وتعتبر كل تعاليم اخرى اشكال مختلفة من الكفر. تماما كما كانت الكنيسة حتى القرن التاسع عشر في اوروبا تعتبر ان كل عالم ومخترع هو ابن للشيطان.
ولما حاول هتلر المانيا ان يخلق دولة عنصرية عرقية ضد العرق السامي، كان لاوروبا الفرصة الكبرى بعد هزيمة هتلر لخلق دولة اسرائيل اليهودية في المنطقة والغاء فلسطين وخلق حالة نزاع جديدة في المنطقة بين الطوائف ومنها الطائفة اليهودية.
والآن يتبادر الى الاذهان اسئلة بداهية بسيطة يجوز ان تكون الاجوبة عليها ايضا سهلة وبسيطة، الا انها بنفس الوقت معقّدة الشرح والاسلوب، كما هي شديدة التعقيد في الاهداف.
من هذه الاسئلة مثلاً: كيف وُجدت حركة الاخوان المسلمين وكيف استطاعت الصمود لقرن كامل تقريبا، رغم كل الصعوبات التي مرت بها والعقوبات التي كانت تضغط عليها؟ ومن موّلها ويموّلها، ويحرص على ان لا تنتفي خصوصا في مصر وسوريا؟ وكيف وصلت الى حكم مصر الآن ولو على قواعد غير متينة؟
وكيف استطاع الامام الخميني ان يصدر ثورته من فرنسا الى ايران، ويخلع شاه ايران حليف الغرب الاقوى، ويهيمن على الحكم في ايران حتى يومنا هذا رغم حروبه مع العراق ورغم العقوبات الاقتصادية القاسية ورغم العزلة المميتة التي تتخبط فيها ايران اليوم؟
وكيف استطاعت حركة حماس ان تبصر النور، وتقوى الى درجة السيطرة على قطاع غزة والتمسك به وطرد السلطة الفلسطينية منها، رغم حصار اسرائيل القاتل للقطاع، ورغم الغارات الشنيعة التي تشنها اسرائيل في كل فترة فتقتل العشرات من الابرياء وتدمر ما تم بناؤه؟ وكيف يستطيع السلاح ان يصل الى سلطة حماس برغم كل هذا الحصار الهائل؟
وكيف ظهر فجأة تنظيم اسمه القاعدة سيطر على افغانستان بعد ان انسحب الروس منها، وعمل لاحقا على تفجير ابراج نيويورك ووزارة دفاع واشنطن؟ وكيف هو الى الآن وبعد احتلال افغانستان من قبل الغرب، لا يزال ناشطا في مختلف البلاد من افغانستان الى العراق الى اليمن؟ فمن يموّل هذا التنظيم ومن يساعده على ارساء دعائمه في المنطقة؟
وكيف انتهت الحرب الاهلية في لبنان وتمت المصالحة بين الاحزاب والطوائف، وبقي السلاح معهم جميعا وليس فقط مع حزب الله؟ ومن يموّل كل هذا السلاح؟ ومن يحول دون تقوية الدولة اللبنانية؟
وكيف برزت الاحزاب السلفية والاحزاب الدينية الاصولية الاخرى وولدت ومعها اسلحة واموالا لا يمكن حصرها؟ فمن أين جائت كل هذه الاموال وكل هذه الاسلحة؟
من السهل جدا ان نوجّه اصابع الاتهام الى اجهزة مخابرات العالم كله، ونقول ان التمويل يتم من اميركا واسرائيل واوروبا والسعودية وايران وقطر وتركيا وسوريا وروسيا والصين وكل من والاهم وعمل ضمن سياساتهم.
ولكن هل كل هؤلاء يسعون الى خلق دول أو انظمة سياسية دينية في المنطقة؟ واذا كان الجواب نعم، فكيف؟
هنا تبدأ الاجابات بالتعقيد. فمثلاً روسيا والصين وايران وسوريا وحتى اسرائيل ليست في وارد السماح لانظمة سنية اصولية في المنطقة. ولكن ما يعني نجاح الاخوان المسلمون في مصر؟
ربما الجواب على هذا السؤال هو الصراع الدامي الدائر حالياً في سوريا.
أمّا اميركا واوروبا فربما اختاروا اهوَن "الشرور"، بتأييدهم الاخوان المسلمين في تونس ومصر، وإبقاء ليبيا علمانية. كما اختاروا الاسلحة التي يظنون انهم يستطيعون بها القضاء على حزب الله الشيعي واخضاع ايران. وذلك بأن يؤججوا الصراع في المنطقة بين السنة بقيادة تركية، وبين الشيعة بقيادة ايران.
وربما ولكي يضمنوا عدم انقلاب الاسلاميين عليهم، نجحوا في تفسيمهم الى فئات وحركات وتيارات واحزاب سنية، كل وِحدة منهم تنادي بإمارة اسلامية سنية مختلفة عن الاخرى. وهكذا بنظرهم يقضي على نفوذ ايران في المنطقة اذ ان كل الحركات الاسلامية السنية ضدها. وفي نفس الوقت هم (الحركات الاسلامية السنية) ضد بعضهم البعض حتى يهنوا ويضعفوا ولا يشكّلوا أي خطر على أمن اسرائيل. وهو الغاية النهائية بالنسبة للغرب في كل ما يجري بالمنطقة.
وهكذا نجح الغرب والشرق في ادارة حرب صليبية من نوع آخر علينا. وهذه الحرب تدور دوائرها الآن على اراضينا وفي بلادنا ومناطقنا وبين ابنائنا واخواننا ضد بعضهم البعض. شيعة وسنة واقباط ومسيحيين ودروز.
نسمع اليوم ان وكالة ناسا الفضائية الاميركية تترقب هبوط بسمارها على سطح المريخ.
ويؤلمنا أن نسمع ان شعوب مصر والعراق ولبنان يعانون من انقطاعات متواصلة في التيار الكهربائي. ويؤلمنا ان نسمع ان الكهرباء يلزمها اجهزة ومعدات وتقنية وصيانة غربية كي لا تنقطع.
ويؤلمنا أكثر ان نختلف على شرعية النقاب والحجاب وحقوق المرأة. وتلهينا أحكام الشريعة في تفاصيل بسيطة لحياتنا الشخصية.
ويؤلمنا أكثر وأكثر ان يصل بنا الجهل الى درجة قتل بعضنا البعض واحيانا بدمٍ بارد، كي نكسب جاهاً او منصبا او نفوذا معينا.
ويفطر قلبنا ان نشاهد على صفحات الانترنت الاجتماعية جماعات تستجدي الصلاة على الرسول او حب السيد المسيح، ولا نفهم لماذا. فالرسول صلى الله عليه وسلم والسيد المسيح عليه السلام، لا ينقصهما معجبين ولا تعليقات كي تزيد شعبيتهما.
عندما نصل الى ما فهمه الغرب منذ قرن مضى ان الدين لله وحده. وأن الدين والسياسة لا يجب ان يجتمعان كي لا يفسد احدهما الآخر. عندها فقط نكون قد حافظنا على ديننا وارتقينا في كياننا السياسي وكياننا الاجتماعي وكياننا الفكري.
وعندما تصفى قلوبنا ونتقبّل الدين حالة جامعة وليست وسيلة للفرقة، نكون قد وصلنا الى درجة الوعي العقلاني والنقاء الربّاني.
وعندما نقتنع ان مجتمعاتنا هي مجتمعات تعددية كانت منذ الازل ولم تزل الى يومنا هذا، وهكذا ستكون غدا. ولم تستطع كل الحروب الشرسة التي دارت منذ التاريخ ان يتنصر فيها مجتمع على آخر، ولا استطاعت أن تُلغي فيها كينونة العيش المشترك.
لو بدأنا هذا الوعي، عندها فقط نقفز من حالة انعدام الكهرباء الى حالة توليد الكهرباء بتقنيتنا ووسائلنا واجهزتنا وخبرائنا. 
سامي الشرقاوي

15‏/07‏/2012

من يكتب مستقبل ودساتير العرب؟



الجواب على هذا السؤال سهل جداً. كثيرون، غير العرب.
وللتوضيح أكثر فإن الله لا علاقة له بهذه القضية، لأن الله قد أوضح في كتابه الكريم انه لن يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم.
مع حلول شهر رمضان المبارك، اعاده الله على الامة العربية والاسلامية والعالم اجمع، ومعه الخير والطمأنينة والسلام. نتذكّر حال العرب قبل وبعد الاسلام. ونتأمل ما وصل اليه حالنا في القرنين الاخيرين.
قبل الاسلام كان العرب يعيشون عصرا جاهليا بكل ما للكلمة من معنى. يكفرون، يظلمون، يقتلون، يغزون، ينافقون، يتآمرون، يأدون بناتهم، يفحشون بالرذيلة، يُجرمون، يقطعون الرحم، الى ما هنالك من فواحش وسيئات. ولكنهم كانوا ايضا كرماء، شعراء، نبلاء، ادباء، شهماء، اوفياء، يكرمون الضيف وحسنات أخرى كثيرة.
ولمّا جاء الاسلام وضع لهم دستوراً، نظّم لهم امورهم الاجتماعية والسياسية والدينية، وفتح لهم نوافذ عديدة على العالم خارج محيطهم في شبه الجزيرة العربية، حتى صاروا قوة عظيمة يّحسب لها ألف حساب وحساب.
ومباشرة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه اجمعين، دبّت الخلافات فيما بينهم وعادت اليهم روح الدسائس والمؤامرات والفتن ولم يستطيعوا الاتفاق حول خليفة يخلف الرسول. وكل خليفة جاء بعد الرسول جاهد جهاد اهل العزم حتى يوفّق بين القلوب، فلم ينجح الا بمقدار طفيف. حتى جاءت الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية وانقسمت الامة العربية والاسلامية الى امم، وبدأ الضعف ينخر في جسم الامة العربية على الاخص. وبدأت القوة تظهر في عوالم اسلامية غير عربية هي عوالم العجم. وأيضا في عوالم المغرب العربي كالبربر.
اتحدت هذه العوالم العجمية والبربرية على العرب، واستطاعت أن تسودهم على فترة من الزمان غير قصيرة. وتمكّنت الدولة العثمانية من السيطرة على بلاد العرب برمّتها واخضاعها تحت حكمها لفترة طويلة امتدت على اربعة قرون. وانتهت بعد الحرب العالمية الاولى، عندما سقطت الدولة العثمانية واستلم الغرب زمام الامور واستعمر بلاد العرب وادار شؤونهم.
في تلك الاثناء برزت بلاد فارس ايضا كقوة لا يستهان بها في الشرق الاوسط، الا انها تعرضت لازمات داخلية سياسية وامنية، ابعدها عن المسرح السياسي مما اتاح للدولة العثمانية الاستفراد بمساحات كبيرة في بلاد الشرق الاوسط.
وبعد الحرب الاولى برزت على الساحة قوة علمانية شيوعية ضد الاديان، ولها المعتقد الديني والسياسي والاقتصادي والامني والفكري الخاص بها، واستطاعت هذه القوة ان تنمو بسرعة عجيبة وتسيطر على معظم بلاد اوروبا الشرقية والقريبة من بلاد العرب.
واستطاعت هذه القوة رغم فكرها الالحادي ان تستقطب انظمة عربية اسلامية مختلفة، لان من ضمن نظامها الاساسي دكتاتورية الحكم والتحكم بمقدرات البلاد واعطاء الشعب ما يلزمه من قوتٍ يومي.
وجاءت هذه القوة السوفياتية بأفكار تحريرية ثورية استقطبت شعوبا اخرى كانت تنزح تحت الاستعمار الغربي، مما ادّى الى انقسام حاد بين ابناء المجتمعات العربية.
لم يستطع الاتحاد السوفياتي ان يخترق البلاد العربية عسكريا، لوجود الجيوش الاوروبية فيها، الا انه ساعد على الثورات ضدها وبزخ في تقديم الدعم المالي والعسكري.
وعندما بدأ الغرب يهب الدول العربية استقلالها، فعل ذلك بعد ان تمكن من الاشراف على كتابة الدساتير فيها، والتي تضمن الولاء للغرب أو على الاقل عدم عدائيته، وتتيح للغرب مساعدة تلك الدول في نصوص قوانينها على مختلف الاصعدة القضائية والتربوية والتجارية والمدنية والعسكري الخ...
لم يخرج الاستعمار البريطاني من مصر، وهي اكبر دولة عربية وأهم موقع جيوسياسي استراتيجي في الشرق الاوسط. وكانت المفاجأة في ظهور كوكبة من ظباط الجيش المصري برتب متواضعة، واعلانهم الثورة المصرية وتأسيس الجمهورية وخلع الملك.
استطاع الاتحاد السوفياتي ان يستقطب مصر الاسلامية حيث ارتدت الرداء الاشتراكي، خصوصا بعد ان قطعت الدول الغربية اعاناتها المالية لمصر ورفضت تمويل مشروع السد العالي الذي كان يعتبر صماما حيويا للاراضي المصرية.
ثم بدأت الازمات السياسية والامنية تعصف بكل الدول العربية، داخليا وضد بعضها البعض وتآكلت انظمة كثيرة وانقلبت على الحكم انظمة اخرى وصار الشرق الاوسط مسرحا داميا بين ابناء الامة الواحدة. الى ان استقر الحال على انظمة معينة في البلدان العربية، طال امدها من الستينات في القرن المنصرم الى وقتنا الحالي حيث يبدو انه حان موعد رحيلها، وبالدم وليس بالسلم. كي يبقى للغرب فرصة للتدّخل والنصح بغية فرض انظمة معينة اخرى.
هذه الانظمة التي استطاعت ان تتعاقب على الحكم بشخص او ابنه او بحزب او من يخلفه من نفس الحزب ما كان بمقدورها البقاء لولا انا ساهمت بشكل او بآخر ببقاء اسرائيل التي تأسست عام 1948 بأمر دولي على انقاض الدولة الفلسطينية.
ومنذ عام 1967 لعبت المقاومة الفلسطينية دورا مهما على الساحة الى ان اخطأت الخطأ المميت بالسيطرة على لبنان وتوقيع المنظمة الفلسطينية صلح اوسلو مما ادى الى انشقاقها بعد ان يأس العالم الغربي من ذلك. وصارت اليوم القضية الفلسطينية تقتصر على كيف يتم الصلح بين فتح وحماس.
واليوم يعيد المشهد التاريخي نفسه في الامة العربية من الجاهلية الى ما بعد الحرب العالمية الثانية، بخلاف امر واحد له من الاهمية ما يمكننا القول ان بدونه لن يشهد العرب قيامة ثانية، وهو رسول الله الذي ظهر عليه الاسلام وكتب دساتير الامتين العربية والاسلامية.
وها هو السلطان العثماني يطل بطربوشه، والملك الفارسي يلوّح بسيف، والدب الروسي ينطح بعناده، والعجوز الاوروبية يسيل لعابها، واسرائيل تفحّ سمّها، واميركا تدير كل هذا.
فمن سيكتب دساتيرنا اليوم؟
وأمورنا كلها ليست بيدنا.
ولا نملك حتى اعلان عصيان ضد نظام عالمي ما زال يضمنا تحت لواء افكاره الاستعمارية؟
من سيكتب تاريخنا ونحن حتى منقسمين على كيف نطبّق الشريعة في القانون؟
من سيكتب دساتيرنا ونحن لا نتوحد ونختلف على الامور الشكلية في الدين والمذهب والعرق؟
من سيكتب تاريخنا ونحن الذين برز منا اقطاب العلم والشعر والادب قد نسينا فن الكتابة؟

اعاد الله رمضان المبارك علينا وعليكم وقد حصلنا على رضى الله بعد ان ارضيناه.
كل عام وانتم بخير

سامي الشرقاوي

09‏/07‏/2012

حساباتهم العميقة وحساباتنا الضيقة



كل ما يدور اليوم في حلقة الشرق الاوسط، يشير الى ان تغييرا جذريا اوعلى اقل تقدير بالغ الاهمية، سيبدأ مع ترابط المعطيات على الارض من السودان الى ايران، مرورا بسوريا التي تشكل بأهميتها الاستراتيجية بيضة الميزان في لعبة القوى.
بوادر هذا التغيير بدت ملامحه تتضح بعد نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسيية في تونس ومصر وليبيا، وظهور نوع جديد من الحكام لهم صبغة سياسية اسلامية سنية تميل الى التشدد مقابل الصبغة السياسية الشيعية المتشددة في ايران ولبنان من خلال حزب الله وحركة امل. وهذا امر واقع وحقيقة وليس ضربا من ضروب التحليل السياسي.
واذا نجحت المعارضة في سوريا الى قلب الحكم بالقوة، ونجح الاخوان المسلمون بالسيطرة على الحكم او على الاقل أن يكون لهم تأثير فاعل في النظام الجديد، فهذا يعني عمليا ان الطوق السياسي السني عزل حزب الله وحركة امل في لبنان، واللذان هما عصب الحكومة اللبنانية الحالية. ويعني ايضا المزيد من العزلة المفروضة على ايران، وحشر الحكومة العراقية بأن تنأى بنفسها عن ايران، او تلقى مصيرا كالذي يواجه سوريا الآن. وهذا ايضا حقيقة واقعة وليس ضربا من التحليل السياسي، بدليل الانفجارات الامنية الحاصلة في العراق والتي تكاد تكون شبه يومية. وعادة تكون هذه الانفجارات رسائل موجّهة لتبليغ الانذارات او التهديدات.
الى هنا يبقى الكلام كلاما محليا، انما له مسببات دولية تجعل منطقة الشرق الاوسط عرضة لغربلة شاملة تجريها القوى الكبرى، وعلى اساسها سيتم تقسيم المنطقة الى ديموغرافيات متعددة. لماذا؟ هنا يأتي التحليل السياسي والنظرة الخاصة لما يجري وسيجري.
ذكرت في المقالة السابقة ان اطر نظام عالمي جديد باتت مكتملة لاعلان هذا النظام وربما قبل نهاية هذا العام. وهذا النظام الجديد يقتضي تفاهما دوليا كالذي سبق بعد الحربين الاولى والثانية، تكون منطقتنا من ضمنه. وتحاول الولايات المتحدة ان تكون هي مديرة العلاقات العامة التي توزع الحصص.
بالامس تكلمت وزيرة خارجية الولايات المتحدة عن الاثار السلبية التي تفرضها الممانعة الصينية الروسية على قرارات المنظومة الدولية بخصوص سوريا، مهددة ان ذلك سيؤدي بالنتيجة الى ان يدفع كل من الصين وروسيا ثمن تعنتهما السياسي. بل اكثر من ذلك، فهي تحدثت عن "هجمة كارثية" للمعارضة السورية "قريبا"، اذا لم تتدارك روسيا والصين الامر وتصلحان موقفهما وتنضمان الى الحل الاممي الذي تريده اميركا طبعا.
هذا يعني ان الخلاف على القسمة صار في اوجّه، ويعني ايضا ان الدنو من الحلول بات منظورا.
ويخطيء من يعتقد ان الولايات المتحدة لا تتمتع بوسائل مجابهة قوية لفرض رأيها السياسي في المنطقة ونوال الحصة الاكبر.
فالولايات المتحدة قادرة على ان تهز الامن الاقتصادي الصيني النامي، وقادرة ايضا ان تزعزع الامن داخل روسيا نفسها. وهذا ليس لأن اميركا اقوى، انما بسبب ان كل من الصين وروسيا اضعف، ولأن معظم الاطراف في داخل الشرق الاوسط ان لم يكن جميعهم، يقفون عند ابوابها لأخذ التعليمات والاعانات وغير ذلك.
والصين لا تقدر ان تعتمد على اقتصادها الداخلي اذا قاطعها السوق الاميركي، فما بالك اذا قاطعها ايضا الاسواق الاوروبية وحلفاء اميركا واوروبا الاغنياء الذين هم صمام الحركة الاقتصادية الصادرة من الصين.
وروسيا لا تزال مضعضعة بين حكم العقلية السوفياتية والعقلية الرأسمالية الجديدة. وتتخبط شمالا ويمينا في محاولة دؤوبة لحفظ ماء وجهها كقوة عظمى.
لم تكن الصين ولا روسيا ولا اي دولة اخرى باستثناء اميركا، تتوقع ان تتطور الاحداث بهذه السرعة في الدول العربية، وتصل الامور الى ما وصلت اليه الآن في سوريا. وهذا اوضح دليل على انه مهما كانت قوة النظام فانه معرض للسقوط في اية لحظة يتقرر بها سقوطه.
لكن لا مفر للصين وروسيا ان يجاهدوا لكسب اكبر حصة ممكنة من الطبخة الاميركية. وهذا ما هو حاصل اليوم ووصل الى حد اعلان الحرب الباردة.
كل هذا الصراع، هو لضمان الشرق الاوسط أن يكون اميركيا اوروبيا في لعبة النظام العالمي الجديد. ولا مانع لدى اميركا من اعطاء حصصا مناسبة للصين وروسيا شريطة ان تكون مشاركتهما صامتة ويقتصر دورهما على مشاركة الارباح بدون المشاركة بالادارة. هذا هو النظام العالمي الجديد. وهذا هو بتقديري لب الصراع الدائر الآن بين الولايات المتحدة واوروبا من جهة والصين وروسيا من جهة اخرى.
القاسم المشترك بين هذه الدول الكبرى هو اسرائيل. الكل يحب اسرائيل ويعمل من اجل ارضائها.
ولكن اسرائيل تحب الاميركان اكثر من الآخرين، ولذلك ستفعل ما يطلبه منها البيت الابيض ان تفعل.
الصين وسوريا يراهنان على قوة ايران وحزب الله للسيطرة على الامور في المنطقة، بعد ان خف وتقلص رهانهما على النظام البعثي في سوريا.
واميركا تراهن على قوة اسرائيل لضرب حزب الله في لبنان وكسره لتنهض قوة دولية بتوجيه الضربات الى ايران تفتتحها ايضا اسرائيل.
ولكي تقوم اسرائيل بكل هذا فهي تريد ثمنا اضافة الى المساعدات المالية والاقتصادية والسياسية وغيرها. تريد الامن. وامنها لا يكتمل الا اذا تضعضع امن جيرانها.
لذلك لا بد ان تنشأ حول اسرائيل واحدة من حالتين:
الحالة الاولى هي قيام انظمة في مصر وسوريا والاردن ولبنان وغزة والضفة الغربية تعقد معاهدات صلح شامل مع اسرائيل تضمنها الدول الكبرى وقيادات الانظمة الجديدة السياسية والعسكرية. وقدأعلن النظام المصري الجديد تمسكه بالصلح مع اسرائيل. والاردن ايضا. وتنتظر اسرائيل الآن ما ستؤول الامور اليه في سوريا واذا ما كانت توجب تدخلها العسكري لتسريع التوصل الى هذه الحالة.
واذا لم يُتوصل الى هذه الحالة، فستكون الحالة الثانية الاصعب وهي قيام دويلات وامارات صغيرة مستقلة تتأسس وفق الاديان والمذاهب والاعراق، ترهق نفسها في الحروب مع بعضها البعض وتريح اسرائيل.
طبعا المرحلة الثانية تقتضي حتى تجهز، حروبا اهلية شرسة في كل المنطقة والتي تحذر الصين وروسيا يوميا منها وقد بدأت بوادرها تلوح في الآفاق اللبنانية والسورية والعراقية.
هذه هي حسابات الدول التي تحسب وتخطط لها في منطقتنا. فما هي حساباتنا.
بدون اي تحليل وتنظير فهي حسب الواقع ضيقة وضيقة جدا. وتقتصر على من يكون نائبا او وزيرا، وكيف يقسّمون خيرات البلاد، وكيف يملؤون جيوبهم.
هي ضيقة لدرجة انها انحصرت بالحلال والحرام وهل تلبس المرأة الحجاب ام تخلعه.
هي ضيقة بمعنى انها خلت من اية خطة انمائية او امنية او مالية او اجتماعية او عسكرية او حتى تربوية تعليمية.
هي ضيقة لدرجة ان الحكام ومناصروهم متمسكون بالمناصب ولو فنيت الشعوب. والمعارضون ومناصروهم يختلفون على المناصب قبل ان يحققوا اي نصر ولو فنيت الشعوب.
هي ضيقة لدرجة أن الجميع يبدي الولاء لاميركا كي يتمكن من منصب، ليحقق مكسبا شخصيا قبل اي مكسب وطني.
هي ضيقة لدرجة انها لا يمكن ان تكون اضيق من ذلك.

سامي الشرقاوي 

05‏/07‏/2012

شرق أوسط جديد أم نظام عالمي جديد؟




تسري شائعات كثيرة في هذه الايام ان جمعيات سرية مختلفة، ينتمي اليها أشخاص فاعلون سياسيا وماليا واقتصاديا وعسكريا من بلدان العالم اجمع، تتنافس ويتنافس اعضاؤها على من سيدير شؤون العالم وكيف يكون النظام العالمي الجديد.

ما يثير لعاب الشائعات هو تخبط العالم في هذه الاوقات بمشاكل امنية وسياسية واقتصادية يعجز القيّمون على الامور من ايجاد حلول ناجعة لها. بل أكثر من ذلك، فإن السيطرة على الامور تبدو معدومة، وكل الامور تجري وكأنها تترابط مع مخططات لا يفهمها الحكام او بعض منهم.

يقال ان بعد الحروب الصليبية، تمكن فصيل من الصليبيين يلقبون بفرسان تمبلار (وهم الذين كانوا في مقدمة المعارك ضد صلاح الدين الايوبي، وقد انهكوه قبل ان يتمكن من هزيمتهم)، من ان يخلقوا نظاما ماليا متميزا لتسهيل التحويلات المالية بين الجند وعائلاتهم في الاوطان وبالعكس. وكان هذا النظام اول اسس العمل المصرفي والتحويلات البنكية. ولكن عندما كبر وعلا شأنهم وفحش ثرائهم، صاروا يشكلون خطرا على الكنيسة. فاتُهموا بخيانة الكنيسة واعتقلوا واعدم رؤسائهم وفر منهم من استطاع واختفى اثرهم.

وكان فرسان تمبلار يعتمدون السرية المطلقة في ادارة شؤونهم وحفظ مخطوطاتهم واوراقهم واسرارهم. ونجحوا في ان يخفوا تلك المستندات عن الكنيسة.

وبعد عدة عقود ظهرت في اوروبا الجمعية الماسونية التي تعتمد ايضا السرية في ادارة شؤونها، ونمت بسرعة فائقة وسيطرت بواسطة نفوذ اعضائها على معظم الادارات الرسمية المدنية والمالية في معظم دول اوروبا. وتوصلت بأن يكون اول رئيس دولة اميركا الجديدة من اعضائها. وأن تحتوي الورقة المالية الاميركية (الدولار الاميركي) صور رموزهم واشفارهم وشعاراتهم.

ويعتقد كثير من الباحثين ان الماسونيين هم الامتداد الطبيعي لفرسان تمبلار لانهم يعتمدون نفس نظام الاسرار الذي كان يتبعه فرسان تمبلار، ولهم رموز وشعارات متشابهة واهداف واحدة وهي السيطرة على النظام المالي العالمي.

ويُعتقد ايضا ان الماسونية نجحت في ارساء النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، وصار الدولار الاميركي الذي يحمل صور رموزهم وشعاراتهم وصورة الرئيس الماسوني جورج واشنطن (اول رئيس للدولة الجديدة)، هو اساس التعامل المالي العالمي ولا يمكن ان تكتمل اية حركة مالية في العالم بدون ان يكون الدولار الاميركي هو الذي يتمم تكاملها. وان يكون الاحتياطي العالمي واسعار الذهب والفضة وباقي المعادن والسلع اساسها الدولار الاميركي.

الى أن تمردت اوروبا عام 2002 وخلقت نظاما ماليا اوروبيا جديدا يعتمد اليورو كعملة رسمية في اوروبا.

طبعا حصل تمرد من داخل اوروبا على نظام اليورو ولم تنضم اليه دولا اوروبية عدة اهمها بريطانيا، التي تحوي اكبر محافل الماسونيين والتي تعتبر الشريك الاساس للولايات المتحدة الاميركية.

النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية انشأ عصبة الامم وقسم البلاد ومنها بلاد الشرق الاوسط التي انتدب لها بريطانيا وفرنسا لادارة شؤونها.

وروسيا التي كانت شريكا في الحرب الاولى، غرّدت خارج السرب وخلقت نظاما ماليا آخر اسموه الشيوعية او الاشتراكية. وهو بالعكس تماما عن النظام الرأسمالي، ولهذا السبب بدأ الصراع بين الغرب واوروبا الى حد الحرب الباردة واحيانا الساخنة الغير مباشرة.

عندما اعلنت الولايات الاميركية حربها على افغانستان والعراق لم يخف جورج بوش الابن حماسه (وهو المشهور بسذاجته الى حد الغباء احيانا)، ولمّح الى بدء النظام العالمي الجديد "الثاني".

لم يكن جورج بوش الاب ولا الابن من الماسونيين، انما كانو من اتباع جمعية سرية اخرى (او هكذا يقال) تدعى النورانيون او المتنورون Illuminati

وتنشط هذه الجمعية ايضا في الثقافات الشعبية التي تستقطب جماهير غفيرة كالرياضة والموسيقى. وغالبا ما يوجد رمز لها في اعمال فنية وثقافية ورياضية عديدة ومتنوعة، كالافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والعاب الفيديو ومجلات الرسوم الكرتونية وايضا في بطاقات التبادل التي تحتوي على مشاهير من عالم الرياضة وكل الالعاب الاكترونية.

أما نفوذهم الباهر فهو في عالم الموسيقى والافلام بحيث ان العديد من نجوم الفن والموسيقى تابعون لهم وينفذون تعاليمهم. ولانهم يسيطرون على معظم المصارف العالمية، فإن عملية تمويل عمل فني واختيار فنان يطلقونه ليحظى على نجاح بسرعة البرق باتت سهلة. وصار خرق العالم الموسيقي والسيطرة عليه مهمة منظمة، وبواسطة هذا النفوذ لمعت اسماء مثل :

Jay Z - Rihanna - Bob Dylon - The Beatles - NAS - Eminem - Led Zeplin Beyonce - Lady Gaga وغيرهم من المشاهير التي فاقت شهرتهم حدود الخيال

ويقال ان معظم فنانين فن الهيب هوب Hip Hop، الذي ينتشر انتشارا غير مسبوق في العالم، هم تحت سيطرة نفوذهم. وكلهم دون استثناء يغنون نفس اللحن والمغزى ويسوّقون ثقافة جديدة تهيء لميلاد هذا النظام العالمي الجديد، الذي سيستقبله العالم كله وخاصة النشأ الجديد بكل ترحاب.

فمن هم هؤلاء المتنوّرين؟

بعض الباحثين يؤكدون ان المتنوّرين يؤمنون ان السيد المسيح هو المؤسس الاول، وأن الدين المسيحي الصافي قد انحدر واصابه خلل وصار مدرسة خيالية ويجب تصويبه بعد ان صار وسيلة كسب للقيّمين عليه. ويعتقد آخرون انه مع ان فكرة التنوير قد بدأت في اوروبا فإن فهمها الحقيقي بدأ في اميركا، التي انشأت جمهورية التنوير وطورتها كي تغزو العالم كله بها.

وفي صفحتهم على الانترنت، يصف المتنورون نظامهم العالمي الجديد على انه شبكة كونية متطورة تنشر المعرفة العامة (لأن القوة في المعرفة) ومبدأ الحقوق الذاتية ودور الحكومات كحماة لتلك الحقوق. وعلى نفس الصفحة يعلنون انه حان الوقت للعمل ضد تمويه الحقائق وزيف المعلومات. وان هدفهم هو وضع الامور في نصابها الحقيقي ضمن اطار النظام العالمي الجديد.

كما انهم يعترفون بمبدا السرية والخصوصية، ويتعهدون بتغييرات ذاتية داخلية بما يتناسب مع الوضع العام ويصرون على ان مبدأ السرية لم يعد يعني ما يعني بالكامل.

وهم يريدون ان يكون النظام العالمي الجديد حرا ومستقلا وخاليا من الايدولوجيات ومستقلا عن المعتقدات الدينية. ويدّعون ان النظام العالمي بشكله الحالي هو نظام مفلس ومشلول اجتماعيا، وأن القيم السامية معدومة، وهذا ما يؤدي الى المجاعة والحروب والارهاب. كما يدعون الى تدمير كل تلك العوامل الفاسدة التي توصل الى التدهور والخراب.

وبعض المفكرين يؤمنون بأن المتنورين ما هم الا جمعية سرية انشأها بعض المتمولين اليهود لايجاد شرخ في النظام الحالي بعد ان قسّموه الى نظامين رأسمالي وشيوعي اشتراكي بهدف سيطرة اليهود نهائيا على العالم.

من يشاهد الافلام ويقرأ الروايات التي تتحدث عن نهاية العالم في 21 ديسمبر هذا العام، يستشعر نوعا ما بأن المقصود هو نهاية النظام العالمي الحالي وبداية النظام العالمي الجديد. وليس يوم القيامة كما يشاع.

لهذا نشأت فكرة ترقيم القاطنين في العالم الغربي وترقيم المواد الاستهلاكية التي تباع في الاماكن التجارية واختراع العلامات التجارية وآخر هذه السلسلة هو زرع فيشة معلومات في الجسم، والتي تسوّق لها افلام الخيال العلمي كفيلم العنصر الخامس The Fifth Element . فالمعلومات الكاملة عن الشخص تظهر بمجرد وضع آلة خاصة على مكان الجسم الذي توجد تحته فيشة المعلومات. بيد ان شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) تظل احدث وانجع طريقة لجمع المعلومات عن الاشخاص الذين يقطنون في كل بقاع الارض وليس فقط في اوروبا واميركا ودول العالم الاول.

ما شاهدناه من ازمات اقتصادية عالمية بدأت في اميركا وانتشرت في العالم، يمكن ان يكون دليلا حيا بان النظام العالمي بدأ يتغير في المنهج والادوات . ولكنه لم يتغير بعد في السياسة.

وبقي ان نشير الى ان شعار المتنورين والذي يضعونه على موقعهم الاكتروني الرسمي يحتوي نفس الهرم والعين الساهرة عند الماسونيين والذين نجدهما ايضا على ورقة الدولار الاميركي!

في النهاية هنالك صراع خفي يجري حاليا للسيطرة على العالم واعلان قيادة النظام العالمي الجديد. وحدسي ان الحسم سيكون قبل نهاية هذا العام. والمؤشرات بدأت في اوروبا والدليل على هذا الكلام هو ما يجري من صراع حول اليورو. وافلاس دول اوروبية مثل اليونان واسبانيا وايرلندا وغيرها.

يُقال ان الرئيس اوباما استفاد من خطأ سلفه بوش وهو الآن يجهد بصمت لارساء قواعد النظام المالي الجديد الثاني مع شركائه الاوروبيون، الذين هم يعملون ايضا بجهد.

لماذا شرق اوسط جديد؟ لانه ما زال البقعة التي تحوي النفط الذي لم تتمكن كل الاختراعات بعد لايجاد بديلا منه.

وهو ايضا الارض التي تختزل الحضارات واسس الانظمة الدينية والسياسية والمالية منذ التاريخ.

وهو المساحة التي فيها مهد الاديان.

وهو ايضا المكان الذي تتواجد على بقعة فيه اسرائيل بعد ان اغتصبت فلسطين بتمهيد من عصبة الامم وليدة النظام المالي العالمي الحالي.

ومن اقدر من اسرائيل على وضع الرموز والشيفرات والاسرار؟

سامي الشرقاوي

21‏/06‏/2012

الشعوب العربية والانقلابات العسكرية الناعمة


لم تنحدر امتنا في تاريخها كانحدارها اليوم.
فكل ما جرى بتاريخ العرب من مؤامرات ودسائس وانقلابات وانتصارات وهزائم وحتى القرن السابع عشر كان من صنع العرب انفسهم تخطيطا وتنفيذا داخليا، او بسبب سلطانهم وقوتهم اقليميا ودوليا.
وكان كل هذا يصب في المطبخ العربي ولصالح العرب انفسهم اهدافا ومصالحا مهما اختلفت وتنوعت، ومهما كان وراءها ما وراءها من خفايا وامور سياسية ودينية ومذهبية وحتى عرقية قبلية.

ومع بدء تفشي المرض العضال في الجسم السلطاني العثماني في القرن التاسع عشر، وتدهور حالة السلطنة العثمانية، بدأ الغرب شرقهم وغربهم يحثون الخطى لارث بني عثمان. وبدأت العدوى المرضية تنهش ايضا الجسم العربي من محيطه لخليجه تأثرا بالداء السلطاني.

وبعد دخول الجسم العثماني المريض الحرب العالمية الاولى، وخسارة اجهزته التنفسية في كل العالم العربي. عمد الاغراب الجدد الى السعي لتقسيم الحصص والمنطقة وتعيين الحكام والملوك والرؤساء العرب. وكانت روسيا مشغولة بثورتها البلشوفية التي حولت روسيا فيما بعد الى اتحاد سوفياتي وعنصر توازن سياسي وعسكري مع دول الغرب، ومشكلة كبرى في بلاد العرب.

ولمّا أُعلنت خسارة المانيا الهتلرية للحرب الثانية، دخلت اميركا بقوة على خط المنطقة، وصارت الامة العربية كلها رهينة التجاذب المر والدامي بين القوى العظمى. وولدت انظمة صنيعة هذه القوى وكانت معظمها ادوات للحرب الباردة التي استعرت بين الغرب والشرق.

وعندما هبّت الشعوب العربية لتشعل ربيعها، كانت لها بالمرصاد وقبل انظمة البلاد، نفس تلك القوى العظمى. فالانظمة اضطرت للدخول في صراع مباشر مع الشعوب، أما القوى العظمى فقد عمدت الى تطبيق استراتيجية جديدة ودخلت لاستيعاب مباشر للشعوب.

ولأن مصالح القوى العظمى متضاربة شكلا وموضوعا، ولأن هذه القوى تريد ان تتجنب مواجهة مباشرة ضد بعضها البعض، لذلك يبدو انها اتفقت على قاسم مشترك يمكنها من خلاله ان تعيد ترتيب حصصها في الشرق الاوسط.
ويبدو ايضاً ان هذا القاسم المشترك هو الجنرالات العسكرية.

فالعسكر في مصر حسم موضوع الرئاسة، وما عاد يهم من يكون رئيساً، لأن السلطات كلها تقريبا باتت بيده. وهذا ما بدأ يُطلق عليه مصطلحا جديدا في السياسة وهو "الانقلاب الناعم".

ولأن القيادة العسكرية اظهرت حرصا على عدم المساس بأي بند من بنود الصلح القائم بين مصر واسرائيل، فقد غُضّ النظر الدولي على الاجراءات التي تقوم بها القيادة العسكرية في مصر، وإن جرى تأنيبا مهذبا احيانا من هنا، وضغطا امنيا احيانا من هناك، خصوصا في منطقة سينا والبحر الاحمر.

والاجتماع الاخير بين رؤساء القوى الكبرى، وإن لم يسفر عن نتيجة معلنة، انما باتت تتسرب يوميا معلومات تفيد بأن شيئا ما قد تم الاتفاق عليه بالشأن السوري.
والبيانات التي تصدر هذه الفترة عن القيادة الروسية توحي بأن شيئا ما صار في طور التنفيذ.
اهم هذه البيانات هو نصيحة القيادة الروسية للشعب الروسي بعدم السفر الى سوريا. وما يُحكى عن خطة اجلاء 100 الف عامل روسي في سوريا.
وقد بدأ يُشاع عن ملاذ آمن وعفو شامل للرئيس الاسد تُقدّمه أو توافق عليه دول الغرب واميركا!

ويبدو ان الدول الكبرى جميعها اعطت الضوء الاخضر للقيادة العسكرية السورية بالتحضير لانقلاب (ناعم) يطيح بالسلطة السياسية الحالية ويبعد الرئيس وترضى عنه المعارضة في آن معا. ومن غير العسكر يلتزم بتطبيق المعاهدات والاتفاقات على الارض؟

ثقة الدول الكبرى بالسياسين العرب فُقدت تماما، بعد ان تمادى السياسيون العرب بالمخادعة والمنافقة والكذب. وبعدما تراجعوا عن وعودهم والتزاماتهم، واعمى بريق السلطة أبصارهم وبصائرهم واخل بتوازنهم.

والمؤسسة العسكرية هي الوحيدة القادرة على اخماد الفتن المذهبية والعرقية، اذا صدر قرارا دوليا باخماد تلك الفتن!

وغض النظر عن تحرك العسكر والموافقة الغير مباشرة، هو تماما ما يحصل الآن في ليبيا وتونس واليمن وربما السودان ولبنان لاحقا.

وعندما يستتب الوضع للعسكر بشكل كامل، سيدرس المتدارسون كيف تستفيد اسرائيل من هذا كله!!! لان الوقت الآن لا يسمح بأن تُعطى اسرائيل الضمانات المطلوبة لأمنها!
ألم نقل ان كل ما يجري في بلادنا يجب ان يكون لصالح اسرائيل وليس لصالح شعوبنا؟

عبثا ما يقال ان الشعوب تقرر مصائرها.
فشعوبنا يُقرّر مصيرها غيرنا، لانهم لم يسمحوا لنا ان ننضج بعد كشعوب.
وللأسف لن ننضج حتى تستقر اسرائيل وتُحقّق امنها.

سامي الشرقاوي

12‏/06‏/2012

يريدون انظمة عربية تخيف ايران وتهاب اسرائيل


الصراع بين الدولة المدنية والدولة الدينية على اوجّه في معظم بلاد الشرق الاوسط خصوصا الدول العربية منها وخصوصا ايضا تلك التي تجاور اسرائيل.

فإسرائيل هي الدولة الوحيدة المسموح لها ان تكون دولة دينية، (طبعا باستثناء المملكة العربية السعودية لخصوصية تاريخ وجغرافية موقعها الاسلامي، وخصوصية بيت الله الحرام وكعبته المشرّفة، وخصوصية مدينة الرسول) وأن تعرقل قيام اية دولة دينية اخرى في المنطقة.
واسرائيل مسموح لها ان تكون دولة يهودية، برغم ان تاريخ وجغرافية موقعها لا ينتمي للدين اليهودي حصرا، وانما للديانات الثلاثة الكبرى. خصوصا وأن الارض شهدت مولد المسيح وانبعاث الدين المسيحي، واسراء ومعراج الرسول، والاختيار الالهي للمسجد الاقصى في القدس ليكون اولى القبلتين للمسلمين.
أما اليهود فكانوا دائما غرباء عن الارض ومغتصبين لها، ويحاولون الصاق اسم اسرائيل بها. فالارض منذ القدم ارض فلسطين، بدليل ان الرومان عندما استعمروا الارض، وثّقوا تسمية فلسطين وقسّموا المنطقة اداريا باسم فلسطين.

أما تجربة الدولة الدينية في ايران، والتي ساهم دول الغرب في انشائها وساعدوا الامام الخميني ان يأتي من منفاه في باريس معززا مكرما منصورا ليطرد شاه ايران الذي كان يتربع على عرش دولة مدنية تقارع دول الغرب بانفتاحها. ولهذا قرّروا اغلاقها ومنعها من التقدم اكثر، ولو ادّى ذلك الى الاستغناء عن حليف اساسي لهم في المنطقة.
وكان سهلا ان يحرّكوا المشاعر الدينية لقيام دولة دينية. لكن من الواضح انهم ندموا على ما قاموا به، خصوصا وانّ ايران الدولة الدينية اضحت دولة قوية استطاعت ان تستقطب القوى الكبرى سلبا وايجابا وان تكون الورقة الاصعب في معادلات الشرق الاوسط، وربما العالم بأسره.

بيد انّ عيب الدولة الايرانية انها ايضا دولة مذهبية وايضا عرقية، مهما اراد حكامها تلميع هذه الصورة امام الرأي العام. وتبقى عرقيتها ومذهبيتها نقطة ضعفها التي منها ينفذ المعرقلون لخربطة اوضاعها وتحديد قوتها والسيطرة على طموحها.
ولكن برغم هذا تبقى ايران التهديد الاكبر للدولة اليهودية. ومن هذا المنطلق القلق الجامح الذي تتخبط به اسرائيل، وتحاول بكل ما لديها من نفوذ لدى الدول العظمى ان تحرّك ضربة عسكرية ضد ايران بغية وقف تقدمها او على الاقل اضعافها.

والصراع المستشري الآن في كل من مصر وسوريا واليمن والسودان والاردن وحتى في فلسطين ولبنان، هو من اجل سماح او منع قيام دولة دينية مذهبية في هذه البلدان، ولا اي تحليل آخر يستطيع ان ينفي حقيقة هذا الامر، ولا ان يتجاهل تدخل دول الغرب وبقوة في هذا الصراع.

وبرغم القوة السياسية والعسكرية ومدى التقدم العلمي والفكري في دول الغرب، تبقى (ولسبب مجهول) سياساتهم الخارجية تنضح غباء مذهلا. فالوقائع على الارض لا تدل على بعد نظر تلك الدول ولا على اي خبرة مكتسبة من وراء استعمارهم معظم بلدان الشرق الاوسط في القرن المنصرم.

تُبنى سياسات دول الغرب على مبدأين: الاول هو حقد مطلق على شعوبنا وود مطلق لاسرائيل. والثاني هو نظرية تجربة الخطأ والصواب، Trial and Error، وبمعنى آخر نحن لهم حقل تجارب، يجربون فينا التجربة تلو التجربة كي يتضح لهم كيف تستقر الامور لصالحهم.

ولمّا قامت الشعوب العربية بانتفاضاتها الربيعية كانت الثورات وما زالت ضد انظمة هي اصلا انظمة متعاونة مع دول الغرب بشكل او بآخر، ولو كان ظاهر الامور في معظم البلاد يوحي بالعدائية الى الغرب. بيد ان بقاء تلك الانظمة على مدى عقود دليل ساطع على انهم كانوا راضين جدا عن سياساتها، خصوصا وان تلك السياسات ساهمت وبشكل كبير في اضعاف الدول، واضعاف جيوشها وشعوبها واقتصادها وعلمها وتقدّمها ونمّوها وامنها. فصارت دولا تعتمد بشكل كلي على الهبات والمساعدات التي تمنحها لها الدول المتقدمة.

ولكي تحتوي دول الغرب انتفاضات الشعوب، ارتأت أن تؤيّد الثورات باسم الديمقراطية، وان تستغني عن اشد حلفائها بالمنطقة (مما يذكرنا بشاه ايران) وان تستوعب تلك الانتفاضات والثورات وتساندها ظاهريا وتؤجج المنتفضين بعضهم ضد بعض من خلف الابواب.

ولأن الاسلاميين في تلك الدول باتوا قوة متنامية ومحركا اساسيا للانتفاضات بعد ان كانوا مقموعين على مدى عقود خصوصا في مصر وسوريا، ارتأت تلك الدول ان تساند الحركة الاسلامية ولها في ذلك استراتيجية محددة هي اولا عدم السماح لمنظمة القاعدة باحتضانهم، وثانيا ظنهم انهم سيشكلون قوة كبيرة ضد ايران لطبيعتهم المذهبية السنية، وثالثا محاولة تطويعهم لالتزام سياسة اسلامية معتدلة كالسياسة المتبعة في تركيا، وبالتالي تكون صديقة لاسرائيل.

غير ان نجاح الاسلاميون في دول الشرق الاوسط تعتبره روسيا تهديدا مباشرا لها خصوصا وانها تعاني ما تعانيه في الشيشان ومن منظمات اسلامية متمردة في نواح اخرى من البلاد. ومن هنا يبدأ الصراع بين الدول العظمى واساسه فرض النظام البديل الذي يكون حليفا لهذه الدولة العظمى او تلك.

دول الغرب وبسبب اسرائيل ليست متحمسة كثيرا ان يكون البديل انظمة اسلامية سنية، ولكنها في نفس الوقت تراها فزّاعة بوجه ايران. وتراها ايضا انظمة ممكن ان تتفكك بسرعة لانها تحوي العديد من التيارات السنية التي تختلف عقائدها وتتنوع، والتي على خلاف متواصل بين بعضها البعض.
اسرائيل لا تمناع بوجود اي فزاعة ضد ايران، شرط ان لا ينتهي مطاف هذه الفزّاعة الى قيام دول كإيران تهدد الدولة اليهودية. وبشرط ان تكون هذه الفزاعة قوية بوجه ايران وضعيفة امام اسرائيل.

لا شك ان الاخوان المسلمون في مصر، خسروا منذ جولة الانتخابات البرلمانية الاخيرة اكثر من نصف اصوات مؤيديهم في الانتخابات الرئاسية. وهذا يعني انهم وإن فازوا في الانتخابات الرئاسية، فإنهم مهددون بأن يواجهوا استمرارية ثورة الشارع المصري.
ونجاح الدولة المدنية في مصر وإن كانت ليست بمستوى طموح الشعب المصري وضد ارادة معظم هذا الشعب، الا ان هذا الشعب لا يقدر ان يعطي السلطة لدولة اسلامية قد تتشدد في تقييد حريته. لهذا فإن الدولة المدنية تعد الشعب بمزيد من الحريات وتطمئن المسيحيين بمزيد من المشاركة الوطنية وتقدر ايضا ان تستوعب الثوار وتحوّلهم الى اقلية.
والدولة المدنية قادرة على عرض خيارات وحوافز كثيرة للشعب لا يستطيع الاخوان المسلمون تقديمها او حتى الوعد بها، بسبب المانع الديني.
ووضع مصر يبقي الامور في سوريا عالقة حتى ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية فيها. ولذلك نرى موسكو اكثر ليونة في مواقفها وتتحدث عن فترة انتقالية للحكم في سوريا تساعد على تهدئة الامور. وهذا ربما يرجع الى ان روسيا والغرب قد توافقوا على تفاهم معين في المنطقة، بدت خطوطه تتضح مع تقدم احمد شفيق في الانتخابات الرئاسية في مصر وتراجع الاخوان المسلمين، وبروز الصباحي كبديل قوي في الواجهة.

وما يجري في اليمن والسودان ليس ببعيد عن الاحداث السياسية في مصر والسياسية العسكرية في سوريا والتي تنتظر تنتظر التوافق السياسي والنهائي على المنطقة بين الدول العظمى.
ولهذا السبب بالذات بدأ اللبنانيون والفلسطينيون يتحركون بجدية من اجل المصالحة وايجاد حلا سلميا شاملا في كل من لبنان وفلسطين.

فالعالم الآن يلعب لعبة التصالح والتوافق، ويحضر للحرب التي تشتد اوزارها بين المتصارعين في سوريا. لكن تبقى كلمة السر للأسف بيد اسرائيل. فأي قرار نهائي يتعلق بمصير الوضع برمته في الشرق الاوسط بعد الانتخابات الرئاسية المصرية هو بيد اسرائيل.

وتبقى خيارات الشعوب محدودة جدا، ومصائرها مرتبطة بالتوافق الاسرائيلي الاممي عليهم، وبالدم الذي يراق يوميا على أيدي من يتصارعون على حكمهم.

سامي الشرقاوي

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات