24‏/09‏/2011

متى من العفن يفلت الغرب ومتى ينضج العرب؟


طلبْ الرئيس محمود عباس عضوية كاملة لدولة فلسطين في الامم المتحدة، برغم أهميته الا انه يعتبر خطوة صغيرة جدا على طريق رد اعتبار هذا الوطن السليب. وهذا الطلب البسيط يلاقي هجمة شرسة من الولايات المتحدة قبل اسرائيل التي اعطته بعداً امنيا فجنّدت جيشها للدفاع عن اسرائيل اذا لزم الامر تزامناً مع الحدث، للايحاء للعالم مدى قابلية الشعب الفلسطيني للعنف.
لا اريد ان اخوض هنا في تفاصيل معارضة او تأييد هذا الطلب، أو لماذا المعارضة ولماذا التأييد، لأن هذا كله يأتي في اطار لعبة سياسية من ألعاب الامم المتحدة، لتنحية الانتباه عن القضية الحقيقية وهي الوطن الفلسطيني المسلوب... وليس فقط الدولة الفلسطينية المغتصبة.
ولكنني أحب ان اجري مقاربة بسيطة بين حجة أبي مازن وبين حجة نتنياهو.
يقول الرئيس الفلسطيني " نحن طلاب حق ونحن الشعب الوحيد في العالم الذي لا يزال تحت الاحتلال"، وأتبع " بقينا 63 عاما تحت الاحتلال وننتظر حريتنا".
طبعا استفزّ هذا الكلام رئيس وزراء اسرائيل، وعلّق عليه متسائلا كيف يتكلّم عباس عن عام 1948 بينما السلام الذي ينشده الفلسطينيون يتحدّث عن حدود 1967.
ليس هذا الامر الوحيد الذي استفزّ نتنياهو، بل يبدو ايضا ان خطاب محمود عباس الحاسم ولغته المختلفة وحديثه عن قرارات لا رجعة عنها بعضوية فلسطين وتوفر الشروط للعودة الى المفاوضات، ورفض يهودية الدولة الاسرائيلية ورفض اي وجود احتلالي اسرائيلي للجيش والمستوطنين في داخل حدود عام 1967، قد جعل نتياهو يحاول أن يقف وقفة تستدرج عطف من يسمعه، أولا باظهار اسرائيل انها هي الدولة السليبة وثانيا ان الاسرائليين هم المشرّدين الخائفين الذين يُقتل منهم الآلاف. حقاً اذا لم تستحِ فقل وافعل ما شئت....

حاول نتنياهو في بداية خطابه أن يشير سلبا الى الجمعية العامة واصفا هذه الجمعية "بالغرفة المظلمة" وأن مجلس الامن يترأسه منظمة ارهابية في اشارة الى حزب الله والوفد اللبناني الى الامم المتحدة وترأس لبنان الدورة الحالية لمجلس الامن.
 ثم حاول حشر الرئيس الفلسطيني، بأن قال في نهاية خطابه بأنه على استعداد تام لبدء مفاوضات مباشرة معه فورا وسط جدران مبنى الامم المتحدة. وهذا يدل على مدى الاحراج الذي يتخبط به المسؤول الاسرائيلي خصوصا بعد ان وجد تجاوبا غير مسبوق في القاعة مع خطاب محمود عباس وعضوية الدولة الفلسطينية. وكان عباس في خطابه قد اشترط للتفاوض وقف اسرائيل للاستيطان واعتراف بدولة حدودها 1967، فقابله نتيانهو بعرضه التفاوض المباشر فورا دون أية شروط او تحفظات من الطرفين.

لم يبرر رئيس وزراء اسرائيل ما قاله عباس عن المصادرة الممنهجة للأراضي الفلسطينية، وطرح العطاءات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وبخاصة في القدس، وفي مختلف مناطق الضفة الغربية، وعبر بناء جدار الفصل الذي يلتهم مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين، مقسمًا إياها إلى جزر معزولة، ملقًيا بذلك آثارًا مدمرة بحياة عشرات الألوف من الأسر.
بل تحدث عن تضحية اسرائيل المتواصلة باعتمادها اسلوب السلام الشامل الى درجة الانسحاب من اراضٍ احتلتها مثل غزة وجنوب لبنان الا ان هذا الفعل بنظره قد أكسب المتطرفين الاسلاميين مثل حزب الله وحماس مكاسب قوية ووضع امن اسرائيل في خطار حقيقي، وهذا كاف بنظره بأن ترفض اسرائيل اي عروض سلام سخية من قبلها حتى لا تقوى شوكة التطرف الاسلامي وفق تعبيره.

وكان الرئيس الفسطيني قد برر اعتماد الفلسطينيين طريق العدل النسبي، بحسب كلامه العدل الممكن والقادر على تصحيح جانب من الظلم التاريخي الفادح الذي ارتكب بحق الشعب الفلسطيني، فصادقوا على اقامة دولة على 22% من اراضي فلسطين اي على حدود 67 واعتبر تلك الخطوة تاريخية قد تسمح باقامة سلام بين اسرائيل وفلسطين.
وقد حدد عباس أربعة أهداف وهي اقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمته القدس الشرقية، فوق جميع اراضي الضفة الغربية وفقا لقرارات الشرعية الدولية وتمسك منظمة التحرير برفض العنف وادانة كل انواع الارهاب وبخاصة ارهاب الدولة والمستوطنيين والتمسك بخيار التفاوض، ومواصلة المقاومة الشرعية السلمية لسياسات الإستيطان. وأكد "عندما نأتي بمظلوميتنا وقضيتنا إلى هذا المنبر الأممي فهو تأكيد على إعتمادنا الخيار السلمي وأننا لا نقوم بخيار أحادي الجانب أو لعزل اسرائيل بل نريد اكتساب الشرعية لقضية فلسطين".

حجة نتنياهو كانت أن حماس انهت السلطة الفلسطينية في غزة في يوم واحد، واسرائيل تخشى انه طالما ان حماس ليست في صلب المفاوضات فإنها ستكون خطرا دائما على أمن ووجود اسرائيل.
كان هذا ردا على قول عباس و"عندما عصف الانقسام بوحدة الوطن فقد صممنا على إعتماد الحوار واستعادة الوحدة"، و"نجحنا قبل شهور بالوصول الى مصالحة، وكان عماد المصالحة هو الالتزام باجراء انتخابات تشريعية خلال عام، لاننا نريد دولة القانون وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، ونحسب ان التقارير الصادرة عن الامم المتحدة والبنك الدولي قدّم شهادات أشادت بما تم انجازه".
قسّم عباس الامم الى قسمين، قسم يعتقد ان الفلسطينيين شعب فائض عن الحاجة في الشرق الاوسط، وقسم آخر يعتقد تن هناك في الحقيقة دولة ناقصة.

صحيح ان هذه الخطوة من الرئيس الفلسطيني ناقصة... بيد انها خطوة مهمة لم يسبق اليها احد من قبل. وهي برغم حتمية طيّها وارشفتها في ملفات الامم المتحدة تحت عنوان "غير قابلة للتطبيق"، لكنها تبقى خطوة قدّمت القضية الفلسطينية بشكل رسمي قانوني الى الامم لتبت في وضع الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف كيف ضاعت دولته وليس متأكدا من أنه سيكون له دولة في يوم من الايام.

ولحركة حماس والقوى الفلسطينية الاخرى التي عارضت رئيس السلطة الفلسطينية في مسعاه، حق المعارضة، وحقّ شرح الاسباب لهذه المعارضة، وحقّ ابداء عدم الثقة بمجلس الامن والامم المتحدة وجمعيتها العمومية، وحقّ الايمان بأن الوطن الفلسطيني كله يجب أن يسترد وليس فقط دولة فلسطينية على مساحات مجزأة تظل تحت سيطرة اسرائيل...
لكن ليس لحماس وهذه القوى المعارضة لعباس ان تنتقده جهارا وتحبط من عزمه.  فإن كانت الخطوة صغيرة، ولو بدت حتى لا تقاس بحلم طفل فلسطيني صغير، فإنها تبقى خطوة سعى اليها رجل من فلسطين بغض النظر عن سياساته وخلفياته... الا انه كان صادقا كل الصدق بطرح هذه القضية كما طرحها، ويجب على أقل تقدير تأييده معنويا وأخلاقيا، لا أن نضعفه أمام الاعداء وأمام من يتربص بنا عند كل مقال أو فعل نقوله او نفعله.

ولكن لننسى السياسة قليلا ونركز على ما قاله نتنياهو في خطابه العاطفي، عن اقدمية الدولة الاسرائيلية والتسمية التاريخية لليهود، التي نبعت من كون هذا الشعب ينتمي لارض يهودا، وتباهيه باسم بنجامين الذي يعود الى احد ابناء يعقوب الذي هو اسرائيل ومنه انحدر اسم اسرائيل التي يجب من وجهة نظره أن تكون دولة يهودية. وقوله أننا أبناء اب واحد هم يسمونه أبراهام ونحن نسميه ابراهيم.
كلام جميل ومؤثر...ولكن لنخوض قليلا في التفاصيل...
أولا: صحيح ان اسرائيل وجدت كما قال نتنياهو قبل 2700 عاما عندما جاء الملك دافيد(داود) وأقام هذه المملكة... ولكن الصحيح أيضا أن فلسطين كانت موجودة قبل هذا التاريخ، ويشهد على ذلك كل الكتب السماوية وكتب التاريخ التي تتحدث عن صراعات لا نهاية لها بين الفلسطينيين الذين يدافعون عن ارضهم والاسرائيليين الذين يريدون أن يتملّكوا هذه الارض.
ثانيا: صحيح أن بنجامين يعود الى ابن من أبناء يعقوب الذي هو اسرائيل، ويعود تاريخ يعقوب الى 3700 سنة، عندما بدأت البذرة الاسرائيلية في الظهور، بيد أن الصحيح أيضا أن العرب كانوا موجودين على هذه الارض منذ اسماعيل الذي هو قبل يعقوب بل أن ابراهيم قد رحل من العراق الى فلسطين ليجد له مأمنا من أعدائه، فأمّن له الفلسطينيون هناك ذلك المأمن.
ثالثا: صحيح ان الاسرائيليين والعرب هم من سلالة أب واحد، لكنهم في الحقيقة يفرّقون في الأم، بين هاجر وسارة. هذه جارية وهذه سيدة. وعلى هذا الاساس يبنون سياستهم. أولاد الجارية واولاد الست. وعلى هذا الاساس يساعدهم كل حلفائهم الذين يساعدونهم على اغتصاب هذه الامة.
هذا من جهة.
ومن الجهة الاخرى، فإن الدول العربية والاسلامية في متاهات آخرى.. وفي حيص بيص لا أول له ولا آخر. وهم في عداء عبثي وثرثري مقيت الى درجة القرف.... غير مقيمين للانسان وزنا، ولا للموت احتراما... ولا للحضارة اعتبارا... منهم من يريد تقديم المال ظنا بأن المال يحل قضية.. ومنهم من يشترط شروطا ظنا بأنه ينال مكاسبا... ومنهم من يعارض فقط من أجل المعارضة خدمة لجهات أخرى... ومنهم من يريد احياء الفتن المذهبية، ومنهم من يعيش على وقع اغنية عظّموني فخّموني...

والشعوب المسكينة في غزة والضفة الغربية وفلسطين المحتلة والعراق ولبنان واليمن والسودان والجزائر والمغرب والصحراء الغربية وافغانستان والباكستان والشيشان، كل وفق موقعه وبعده الاستراتيجي، يتلقى انواعا مختلفة من الموت الزؤام.

ومن لا يموت بالقذائف الاسرائلية والاميركية والاوروبية والحلف اطلسية والروسية والصينية واليابانية، فإنه حتما سيموت بالمؤامرات والدسائس والحروب الاهلية والتفجيرات المفخخة، أو من الفقر والجهل والجوع و البرد أو الخوف.

وهذه الشعوب هي تحت رحمة انظمة أوجدتها لعبة الامم بعد عهود من الاحتلالات السياسية والعسكرية والجغرافية والنفسية، تكبت نموها وتعرقل تقدّمها وتعتقل تاريخها، عن جهل كان ذلك او عن علم.

لذلك، فمن المنطق القول، أن كل هذه المعاناة تنتهي، عندما يبدأ ملوك اللعبة بتقبّل حقيقة ان السيدة هاجر هي أيضا سيدة كريمة نجحت في ايجاد مأوى لها ولابنها، بنى فيه ابراهيم بيتا لله فيه صار محجا للعالمين.

وابنها نبي ورسول، من سلالة انبياء ورسل أنجب سلالات عربية واسلامية عريقة. وهو قد ملك الماء في الصحراء منذ ان كان طفلا فنما ملكا وترعرع سيدا وعاش وجيها في قومه.

ونذكّر بأن عيسى كان نجّارا، ومن قبله داود كان صبيا يخدم راعي غنم، وهما مع ذلك اختيار الله لتأسيس أمم وحضارات عريقة.

متى يفلت ملوك لعبة الامم من التخدير الذي عفّن فكرهم وشعورهم وحسّهم، ويتنشقوا الواقع الصحيح لينتعشوا وينعشوا به أيضا حكام الدول، لأن العروش تفنى والشعوب تبقى.

ومتى ينضج العرب؟

سامي الشرقاوي


18‏/09‏/2011

تركيا وايران والصراع الخفي



وهذا الصراع الخفي يعكس صراعا أقوى بين اعداء الامس في الحربين العالميتين، بيد أن التحالفات اختلطت وتبدّلت، ودخل عليها عوامل جديدة أهمها قيادة الولايات المتحدة لقوى "الحلفاء" الجديدة المتمثلة بأميركا ودول أوروبا الغربية والشرقية وانضمام اليابان ، ومحاولة روسيا تأليف "محورا" فاعلا مع الصين.
وبما أن تركيا استعادت قوتها الاقليمية بعض الشيء، ومالت بسياستها الخارجية الى الغرب طمعا بإدراجها على لائحة الدول الاوروبية، وبما أنها تمثّل كما كانت قبل الحروب العالمية القوة الاسلامية السنية في المنطقة، فقد اعتمدها "الحلفاء" لتكون قاعدتهم الاستراتيجية الاهم في المنطقة.
وبسبب خلافات متواصلة بين دول الخليج العربية، وافتعال ازمات معها كحرب العراق والكويت، وأيضا اهتزاز أمن تلك الدول من قبل منظمة القاعدة، فقد برزت ايران كقوة اقليمية فاعلة في المنطقة، ممثلة القوة الاسلامية الشيعية.
أما القوة الاقليمية الثالثة (وقد تكون الاولى) التي انبعثت بعد الحرب الثانية فهي اسرائيل، التي لا تملّ من ترداد القول انها دولة يهودية، تبني كيانها وسياستها ومجتمعها على هذا الاساس.
وبرغم ان عدد المسيحيين قليل نسبيا، ويشكّلون مع فئات عرقية ومذهبية أخرى أقليات هذه المنطقة، الا ان المسيحيين يمكن اعتبارهم قوة مهمة بسبب قربهم من اوروبا الشرقية واليونان وايطاليا، مما يجعلهم في تواصل متواصل مع الكنيستين الشرقية والغربية والصرح البابوي. عدا عن كونهم محميين من القوى العظمى اميركا واوروبا وروسيا.
ومع احداث سبتمبر واحتلال العراق وافغانستان، والحرب الباردة بين الامم المتحدة وايران، وما يجري الآن في اليمن ومصر وسوريا ولبنان، زادت سخونة المنطقة مما يمكن الاستنتاج انها مقبلة على امر غير عادي خصوصا وان فرزها بهذا الشكل الطائفي يهيئها لاحتمالات تغيير ديموغرافي، على اساس كونتونات دينية أو مذهبية وما يتفرع من هذه الكونتونات من أقاليم تراعاها الدولتان التركية والايرانية، وترضى بها الدولة العبرية.
فإذا امعنا النظر بما يجري الآن على الساحة العربية، نستطيع ملاحظة لاعبين اساسيين ليسا من الدول العربية، بعد أن انكفأت السعودية عن مسرح الاحداث، وظهرت قطر بدور وسيط بين مختلف الافرقاء الاقليميين والدوليين.
انكفاء المملكة العربية السعودية، لا يخطف بريقها ولا يُضعف قوتها ومكانتها، بيد أنه يجوز أنها رضيت بالمحافظة على أمنها ونفطها والتكفل بحماية الدول العربية الاخرى في الخليج. وربما هي اكتفت بذلك بعد أن اكتشفت بُعدها في المسافة عن سوريا ولبنان وفلسطين، وارتأت ان تجيّر دورها الى تركيا باعتبارها دولة اسلامية سنية، وباعها يطول عسكريا دولة اسرائيل، ويؤثر سياسيا على سوريا التي طالما افشلت الخطط السعودية في لبنان.
وتركيا ايضا هي مركز قوة مواجهة لايران، وتتكافأ مها في الموازين العسكري، وتتواجه معها على حدود طويلة.
فلماذا لا تلعب تركيا دور السعودية في شرق البحر الابيض المتوسط؟
واذا صحّ هذا التحليل، فيصح أيضا ان هندسة هذا المخطط هي للأميركي والاوروبي، من خلال مخطط بدأ مع انتهاء الحرب الثانية، ويبدو ان تنفيذ المرحلة الثانية منه قد بدأ الآن.
 
من المعروف ان شعوب المنطقة العربية، لم تتمكن بعد الحرب العالمية الثانية من اختيار قادتها وانظمتها السياسية بطريقة ديمقراطية، اذ انها كلها بلا استثناء كانت ترزح تحت حكم الاستعمار الفرنسي والبريطاني، الامر الذي يبرز معه السؤال، اذا لم تكن الشعوب العربية هي صانعة قاداتها فمن الذين صنعهم؟
بالطبع لم يصنع هؤلاء القادة انفسهم، اذ لا يستطيع أحد أن يصنع نفسه، فالخالق غير المخلوق.
وبالتالي ليسوا هم من أوجدوا أنظمتهم... وإن كانوا قد استولوا عليها وقبعوا فيها وتاهوا في اعماقها، ونسوا انهم في وظيفة رسمية لارباب عمل لا ترحم.
لا شك أن عمر قادة الدول العربية دون استثناء يبدأ من الوقت الذي منح الاستعمار الاجنبي الاستقلال لهذه الدول، وكرّس انظمة في هذه الدول تابعة له! فوُلد النظام ووُلد معه قائده.
بالطبع هناك استثناءات بمعنى أن بعض الانظمة في بعض الدول ولدت متأخرة عن أنظمة في دول أخرى. وأن بعض القادة تثبّتوا متأخرين عن تثبيت قادة آخرين، ولكن بالنتيجة لم ينته عقدين من الزمن بعد الحرب الثانية الا وأن كل القادة الذين مازالوا الى اليوم( وبعضهم رحل كمبارك وبن علي والقذافي)، قد حافظوا على مراكزهم ما يزيد على ثلاثة عقود أو أربعة في حالة القذافي. وكل هؤلاء القادة أتوا بعد حالات ثورية انقلابية (منها مفهوم ومنها غير مفهوم على الاطلاق) أطاحت بأنظمة وأنشأت أنظمة أخرى، وشكّلت هذه الانظمة بشكل أو بآخر درع حماية لدولة اسرائيل الجديدة! والا فكيف نفسر هذا الانسجام بين الدول العربية بالنأي عن محاربة اسرائيل الا في حالة الدفاع، واتخاذها قرار الهدنة معها والالتزام بهذه الهدنة على الرغم من خرق اسرائيل لها بافتعال حروب متواصلة مع مصر والاردن وسوريا وفلسطين ولبنان؟

فكيف حصلت تلك الحالات الانقلابية؟ ولماذا ؟ ومن كان وراء المنقلبين وأنظمتهم الجديدة؟ وكيف وصل القادة الحاليين المخلوعين منهم وما سيحصل للباقين برسم اقدارهم؟

كان الهم الرئيس للاستعمار الاجنبي بعد الحرب الثانية ولا يزال، هو ايجاد وطن لليهود المشتّتين في العالم، والذين كانوا سببا بارزا لقيام الحرب العالمية الثانية. وسيكونون على الارجح سببا في نشوء حرب ثالثة أو على الأقل (خربطة) غير معهودة في خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا.
وكانت آثار الحرب الاولى أعمق على الدول التي كانت تحت الحكم العثماني، بعد أن تحقق ما كانت تصبو إليه الدول الأوروبية بتقسيم الغنيمة في تلك البلاد والسيطرة على مقدراتها وثرواتها وخيراتها وشعوبها وحكامها. ولكن الغرب لم ينس كيف تعاملت الدولة التركية الجديدة مع اليهود وكيف تسامحت تركيا في تسهيل هجرة اليهود الى فلسطين وكيف كان لاعتراف تركيا بدولة اسرائيل وتطبيع العلاقة معها.
لذلك فلا مانع ان تكون تركيا اليوم اللاعب الاكبر، تحل محل السعودية التي ليس لها حرية التعبير الفعلي والسياسي الحقيقي مع او ضد اسرائيل. فتركيا لها هذه المساحة الكبيرة في الشد والرخاء مع اسرائيل دون ان تغضب احد من الاطراف بما فيهم اسرائيل نفسها.
تم تقسيم المنطقة التي ظهر فيها اسم الهلال الخصيب، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فأمتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
ويجوز ان بريطانيا وفرنسا بموافقة اميركا، قد أعطوا هذا الدور الى تركيا، وبقيت السيطرة على العراق مباشرة مع الولايات المتحدة امتدادا الى دول الخليج العربي.
غير ان روسيا ستبقى خارج هذا النظام، ولن تستفيد منه لا سياسيا ولا اقتصاديا.
لذلك فإن روسيا اليوم مع ايران.

كان سقوط الامبراطورة العثمانية، وخلْق ما يسمّى بشرق أوسط جديد، أول وأسرع نتيجة مباشرة في منطقة الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن خلق هذا الشرق الاوسط الجديد سرعان ما خلق صراعات جديدة وكبيرة في المنطقة.
أما النتيجة الثانية التي فاقتها في القوة هي الغاء فلسطين وانشاء اسرائيل.

لذلك تعود فكرة الشرق الاوسط الجديد الى الظهور بقوة على الساحة الشرق اوسطية، ويعود معها خلط الاوراق السياسية، ولاتمام ذلك لا بد من توزيع ادوار جديد للقوى الرئيسية من دون ان تكون قوى استعمارية، وبشكل يسهّل ابقاء المنطقة مفتتة ضعيفة لا تقوى شعوبها على النهوض بها.

هذا الحديث يرجعنا الى عام 1921 عندما عمدت الدول العظمى تنفيذ مقررات مؤتمر القاهرة بقيادة ونستون تشرشل الذي قرر تقسيم الولايات العربية وفصلها عن بعضها بمنحه كل منها الاستقلال عن الاخرى وعن الامبراطورية العثمانية، ومنع توحدها تحت أي ظرف من الظروف. كما تقرر الغاء نظام الخلافة وعدم تطبيقه في أي من الدول العربية الجديد، وعدم اعتماد الشريعة الاسلامية في التشريع ونظام الحكم.
الذي يختلف اليوم هو امكانية اعادة الشريعة الاسلامية الى التشريع ونظام الحكم، ولكن تحت رعاية نظام خلافة جديد متطور تقوده تركيا في محاولة لعلمنة المسلمين السنّة شيئا فشيئا، ونظام خلافة جديد تقليدي تقوده ايران في محاولة لإبقاء التوازن العلماني الديني في المنطقة، الى يوم يظهر فيه نظام جديد ينصهر فيه النظامين التركي والايراني.
كيف نفسّر ان الامام الخميني بدأ ثورته من فرنسا، وبدّل نظام الحكم العلماني في ايران الى حكم اسلامي شيعي، مناهض لاسرائيل واوروبا واميركا الذين حاولوا اضعافه في حرب مع العراق، ثم تقويته في مساعدته بحماية شيعة العراق من صدام حسين، الى درجة تدخل عسكري اميركي أممي وشن هجوما كاملا على العراق بزعم امتلاكه اسلحة دمار شامل؟
عجيب هذا الامر!
وبعد احداث 11 سبتمبر 2001 اصرت الادارة الاميركية على اسقاط صدام ونظامه، وتحركت جيوشها مع الجيوش البريطانية لتحرير العراق من صدام ونظام البعث، واحتلاله لفترة طويلة لم تنته الى اليوم.
سقط العراق وقامت ايران دولة اقليمية متمادية القوة في المنطقة!

وباحتلال العراق اصبحت الدول الغربية وخصوصا اميركا، تسيطر على خط يمتد من العراق يواجه ايران في الخليج الفارسي العربي شمالا، ويمر بدول الخليج العربية المتحالفة اصلا مع الغرب، ليصل الى مصر على البحرين الاحمر والمتوسط، وصولا الى قطاع غزة والضفة الغربية والاردن جنوبا، وطبعا اسرائيل التي نشأ هذا المحور اساسا من أجل أمنها.

الصراع الخفي بين تركيا وايران واضح وجلي على اساس دولة سنية ودولة شيعية، كل دولة تريد مكاسبا على الساحة. واذا سلّمنا ان تركيا تحلم برد اعتبار الدولة العثمانية والسيطرة من جديد على سوريا ولبنان والاردن وفلسطين، فما هو أقصى أحلام ايران؟

ومع الاحلام يظل الصراع بين كواليس السياسة، فهل يظهر الى العلن.

هل ما نشهد اليوم من عداء مطبق من ايران ضد اسرائيل يمثّل الصورة الفعلية في السياسة؟
وماذا يختلف عداء تركيا لاسرائيل اليوم عن عداء ايران لها؟
وماذا يريد الغرب في النتيجة من هذا الصراع، وما هي التغييرات التي يعملون عليها في المنطقة؟
الجواب البديهي هو انهم يريدون تغييرات تحمي في النهاية اسرائيل وتحافظ على امنها ووجودها.

ولكن كيف سيتم ذلك، فسيكون لنا في هذا الشأن محاولة اخرى لوضع بعض الاحتمالات.

سامي الشرقاوي


09‏/09‏/2011

فلسطين تحت رحمة الارهاب


يذكرون الارهاب ويتناسون ارهابهم في فلسطين!
أصبحت كلمة الارهاب سهلة القول والمعنى، يطلقها كل من يفتقد حجّة أو يرمي الى فتنة، أو يريد انجاح فكرة سياسية معيّنة.
قبل الحادي عشر من سبتمبر، رأى جهابذة السياسة الغربية واعلامهم في الشرق والغرب، أن يلصقوا تهمة الارهاب بالعرب والاسلام وفي أفضل الاحوال بالتطرّف الاسلامي.
أمّا بعد ذلك التاريخ صار العرب والاسلام مرادفيْن متلازميْن مع كلمة إرهاب في القواميس الى درجة أن أي بحث عن كلمة إرهاب على شبكة "الانترنت" يُظهر آلاف الصفحات عن العرب والاسلام والمسلمين وكل ما يشير الى هذه المفردات أو يمتُّ اليها بصلة.

ومن نكد الزمان علينا أن نرى ونقرأ بأعيننا ونسمع بآذاننا مذمّتنا، وليس منّا من يهب للدفاع عنّا، أو في أحسن الاحوال ردّ المكيدة عنّا أو تحصيننا من عواملها السلبية علينا.
وقد بَلانا الزمان فوق كل هذا بحكّام وأنظمة لا نفهمهم ولا يفهموننا، بل لا يفهمون الاّ ما هو خير لهم وشر لنا.
بلانا الزمان بقادة، همّهم اختراع حروبٍ وهمية، يصولون في ساحاتها ويجولون، يربحون دائما معاركهم ولا يخسرون، ولا يرون في شعوبهم أكثر من مجرّد قطيع يفلتوه في المراعي التي هجرتها الخضرة وشحّ فيها الماء.

لا ننكر أن منّا عتاة مجرمين... ولكن من صنعهم؟
وإن كان فينا فئة توهّمت ان الجهاد من أجل القضية يكون في القتل والدمار، فهذا جهلٌ وكفرٌ ... وهؤلاء يشرّعون عذرهم كما يحلو لهم ... ويبقى هذا العمل لا ينتمي الى بيئتنا ولا الى حضارتنا العربية والاسلامية.

أمّا الارهاب الحقيقي فهو الخالي من أية قضية، وهو عندهم وفي بيئاتهم وشوارعهم ودهاليز مخابراتهم وأقبية سجونهم وخلف جدران مدارسهم وجامعاتهم، وفي مستوصفاتهم ومشافيهم، ووراء مكاتبهم، وداخل اروقة دوائر أمنهم وشرطتهم، ولا يحمل الا القتل العمد من دون أسباب. شرٌ مطبق!
وهذا لا نجده في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، بل في مجتمعاتهم الغربية الغريبة.
وإذا ما كان هنالك أنظمة عندنا تمارس هذه الاعمال، فهي من صنعهم وتدريبهم وتحت تعليماتهم وارشاداتهم.

هم الذين مارسوا الارهاب على مدى آلاف السنين.
هم الذين قتلوا الانبياء والمرسلين.
هم الذين خرّبوا الديار، وأشاعوا الفساد في الارض، من أيام نوح وسيفعلوا ذلك الى يوم الدين.
هم الذين اغتصبوا الارض وهتكوا العرض وأطاحوا بعباد الله الصالحين.
هم الذين اجتاحوا القدس مرّات ومرّات وهي في أرضنا وهم المعتدين.
هم الذين زرعوا الفتن وقسّموا الناس وفرّقوا الاديان وكفروا برب العالمين.
هم الذين مسحوا من الوجود دولة فلسطين.
وهم الآن يمنعوا ولادتها غير آسفين.

أليس كل هذا ارهاب؟
أليس إرهابا تهديد اسرائيل بافتعال شلالات دم اذا ولدت فلسطين من جديد؟
أليس إرهابا تبجّح البيت الابيض بمعارضة ولادة هذه الدولة، بحجّة أنّ الولايات المتحدّة مع قيام  دولة فلسطينية يتم التفاوض عليها مسبقا بينهم وبين اسرائيل؟
أليس هذا ارهابا للعقل والمنطق والشرائع الدينية والمدنية؟
أليس إرهابا هدّ الحجر وقتل البشر في فلسطين؟
أليس إرهابا أن يُمنع شعب من ممارسة ابسط حقوقه المدنية؟
أليس إرهابا أن يعيش شعب في الشتات وأرضه السليبة يرتع فيها من ليس له حقٌ فيها؟
أليس إرهابا أن تحاصَر غزّة ويُمنع عنها القوت والوقود والمال الا بإذن مسبق من مجرم طليق؟

هل أصبح حق الشعوب في الحياة ارهابا؟
هل مطالبة الفلسطينيين بدولة آمنة مستقلة إرهابا؟
هل أصبحت الصلاة في المسجد الاقصى إرهابا؟

وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي لا يملك أجرة تنقّله من بيته الى عمله؟ هذا اذا كان يُسمح له بالعمل!
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي يُذلّ ساعات وأياما على المعابر العبرية؟
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي لا يستطيع قوت اولاده وتعليمهم؟
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي يأكل بإذن ويشرب بإذن ويعمل بإذن وينام بإذن.. ويبقى أن يجامع زوجته بإذن؟

وهل الذين ازالوا الدولة الفلسطينية وارعبوا شعبها ليرحلوا عنها ليسوا ارهابيين؟ والشعب الفلسطيني المشرّد والمشتّت وحده الارهابي؟
وهل الذين افتعلوا الحرب الاولى والثانية والحروب المتتالية بعد ذلك، وقتلوا الملايين، ليسوا ارهابيين؟ والذين يطالبون بدولتهم المغتصبة ويقاومون احتلال اراضيهم ومنازلهم ووطنهم هم الاراهبيين؟
وهل الذين انتدبوا أنفسهم لادارة فلسطين ثم سرقوها وأحلّوا مكانها اسرائيل ليسوا ارهابيين؟
وهل الاسرئيليون الذين نظمّوا وما يزالون، القتل المشرّع والاغتيالات والفتك والتدمير، ليسوا ارهابيين. والفلسطينيون الذين يُقتلوا ويُسجنوا ويُمارس عليهم أشنع أنواع التعذيب النفسي والجسدي هم الارهابيين؟

تاريخهم هكذا.... إذ كان قوم لوط يقطعون الطريق ويعتدون على المسافرين ويسلبون أصحاب الحقوق حقوقهم، واذا ما وصل الامر الى القضاء يفصل القاضي منهم بينهم في قضائه، فيدين المظلوم ويبرّيء الظالم، بل ويحكم له بالتعويض من ضحيّته.

يبقى أن نفيق من غفوتنا ونصرخ بوجه قادتنا أن يرأفوا بنا، وأن يفهموا أن بلادنا كلها عرضة للاغتصاب والسرقة والسلب. وأن شعوبنا كلها عرضة للقتل والشتات.
هم لا يحتملون العيش لحظة واحدة اذا مُنعت خيرات بلادنا عنهم، وهم يدركون ذلك ونحن نجهل ذلك.
فلذلك يا من تريدون رعايتنا وتولّي شؤوننا هبّو بكل قوتّكم لمحاربة ارهابهم.
انسوا لفترة وجيزة اطماعكم وخلافاتكم.
انصروا الحق ولو مرة واحدة في حياتكم.

لا تسمحوا أن يرهبوننا أكثر وأن يلحقوا دولة أخرى من دولنا بفلسطين.

ضعوا مرّة واحدة أنفسكم مكان طفل وطفلة من فلسطين، يحلمون بمستقبل لا يستطيعون السير اليه، ولا يريانه الا مظلما معتما.
اقتنعوا ولو مرة واحدة أنهم هم الارهابيون.

سامي الشرقاوي



قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات