28‏/12‏/2010

السنة الجديدة المقبلة ستكون أفضل لهذه الاسباب


هذه التوقّعات تستند الى دراسة تحليلية لوقائع وأحداث حصلت مؤخرا
 
في العام 2011

سيرتفع سعر النفط ويستقر قليلا فوق 100 دولار اميركي للبرميل الواحد، وهذا سينعكس ايجابا على التضخم المالي العالمي فيخفف من وطأته على الاقتصاد العام.

سيتحسن سعر صرف الدولار الاميركي على معظم العملات، الامر الذي يضفي سلالسة في التبادل التجاري.

سيستمر سعر الذهب بالهبوط قليلا ويستقر طوال العام على سعر أدنى من مستواه الحالي.

سيبدأ السوق المالي العالمي بالتعافي من ازمة مزمنة بدأت مع أزمة الركود الكبرى ولم تنته بعد.

ستنجح معظم البلدان الافريقية بتحقيق اصلاحات سياسية مهمة تبدأ طلائعها بالظهور مباشرة بعد الانتخابات النيابية والرئاسية المتوقع ان تجري في نحو 17 دولة افريقية.

ستتغلب الدبلوماسية العالمية وتتمكن من نزع الفتيل المشتعل بين الكوريتين.

ستتم صفقة ناجحة بين روسيا والحلف الاطلسي بما فيه الولايات المتحدة الاميركية، تكون مفتاحا استراتيجيا لجهود مشتركة من أجل محاربة انتشار اسلحة الدمار الشامل، مكافحة الارهاب والاتجار بالمخدرات، القضاء على القرصنة البحرية ومواجهة العديد من التحديات الاقليمية والعالمية.

ستبدأ الصين بتغييرات سياسية واقتصادية وقيادية جذرية، تضع البلاد في صدارة البلدان المتطورة، وستكون السياسية الاقتصادية الجديدة للصين مبنية على استيعاب الانتاج في السوق المحلي أكثر من تسويقه بالخارج كما هو حاصل الآن.

ستخطو الهند أولى خطواتها بتحرير سوق المبيعات الداخلية من القيود الحكومية بما يسمح لسلسلة من المتاجر العالمية بفتح فروع لها في معظم المدن الهندية.

ستنتهي الازمة السياسية في تايلاند، وستجري انتخابات عامة هادئة في البلاد تكون نتائجها مرضية لمعظم فرقاء النزاع.

ستبدأ الدول الاجنبية المتواجدة عسكريا في أفغانستان باجلاء جيوشها، وستساهم تركيا في تقريب وجهات النظر بين الرئيس الافغاني حميد كرزاي وحركة طالبان وايجاد نقاط مشتركة للتوصل الى حل سياسي مقبول داخليا وخارجيا.

سيجري فرقاء النزاع في السودان بمساعدة دولية واقليمية فاعلة، حوارا سياسيا جادا وواقعيا لمعالجة نتيجة الاستفتاء المتوقّعة، بعد أن وصل الجميع الى اقتناع تام انه لا جدوى من متابعة القتال الذي لن يوصل الى اية نتيجة مرجوة لأي فريق.

وبعكس كل التوقعات، سيفتح لبنان صفحة سياسية جديدة بعد صدور القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. وسيتوصل فريقا الموالاة والمعارضة الى اتفاق تاريخي ينهي كل الخلافات ويفتح الملفات الاصلاحية في هذا البلد. وهذا الاتفاق سيكون له غطاء اقليمي كبير وبالاخص من المملكة العربية السعودية، سوريا، مصر، ايران وتركيا. وستنسحب اسرائيل من باقي الاراضي اللبنانية المحتلة، ويوافق حزب الله على خطة انتقالية أو استراتيجية دفاعية مع الجيش اللبناني.

ستنحسر العمليات العسكرية للقاعدة في العراق، وسيلقي العديد من أفراد القاعدة سلاحهم ويسلّمون أنفسهم للقوات المسلحة العراقية أو يغادرون العراق الى بلدان أخرى.

سيزيد عدد الدول التي ستعترف بالدولة الفلسطينية، وسيتم الاعلان عن اتفاق مهم بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس بغطاء اقليمي مع مشاركة ايرانية تركية فاعلة ومباركة اميركية اوروبية. الاعتراف الدولي بفلسطين والاتفاق بين الفلسطينيين سيحرج اسرائيل لتبدأ محادثات سلام جادة تكون اولى بوادرها الايجابية تجميد الاستيطان لفترة زمنية لا تقل عن سنة.

ستنجح الولايات المتحدة الاميركية بتحقيق خرق سياسي ودبلوماسي مهم مع ايران مبني على تفهّم اميركي للسياسية النووية السلمية لايران. وسينعكس التقارب الايراني الاميركي ايجابا على منطقة الشرق الاوسط ليعزز من استقرارها ويحد من اعمال العنف فيها.

وكل عام وأنتم بخير

سامي الشرقاوي

26‏/12‏/2010

رابعة العدوية أسطورة وواقع في عشق الله


رابعة العدوية أسطورة وواقع في عشق الله

هي (أم الخـير)، عابدة ومتصوفة عاشت حياتها في حب الله وماتت شهيدة العشق الالهي، وقبرها يزار بظاهر القدس على رأس جبل يسمى الطور.        
ولدت رابعة بنت إسماعيل العدوي في مدينة البصرة، وكانت الأبنة الرابعة لأب فقير سمّاها رابعة. وبعد وفاة والديها غادرت مع أخوة لها بحثا عن الطعام والماء، فضاعت عنهم، وهامت في البلاد وحيدة مشرّدة، فحظي بها لص من اللصوص، خطفها وباعها لتاجر بصراوي أذاقها سوء العذاب، وأجبرها على حياة اللهو والمجون فتمرّغت في حياة الغواية والخمر والشهوا.

خرجت هي وجاريات مثلها يوما مع سيدها في رحلة صيد للخدمة والترفيه، وصادفوا هنالك رجلَ تقوى عجوز أعمى، فراحوا يسخرون منه الى أن توجّه بالحديث الى رابعة وقال لها أنه يستطيع أن يرى جمال وصفاء روحها وطلب منها أن تتوب الى الله توبة خالصة، وهو سيرشدها الى الصراط المستقيم.

أثلج صدرها سماع ذلك من الشيخ الضرير، وصارت تخدم سيّدها وهي صائمة لا أحد يعرف بذلك، الى ان تنفرد بنفسها فتقوم الليل راكعة ساجدة تصلّي لربّها وتطلب منه العفو والغفران.
ثمّ ما لبثت أن رفضت حياة المجون والصخب، وتمرّدت على سيّدها مما دفعه الى سجنها وتعذيبها.
استيقظ سيّدها ذات ليلة، وذهب الى الغرفة التي سجن بها رابعة، ونظرمن فتحة صغيرة بباب الغرفة، فوجدها ساجدة وكأن هالة من نور تحيط بها، وسمعها تقول "يا رب لكم يتمنّى قلبي طاعتك وأن أبذل عمري متعبّدة لك، ولو كان أمري بيدي لما توقّفت عن هذه العبادة، ولكن أمري بيد سيدي."

فلمّا طلع النهار نادى عليها واعتقها وسألها أن تبقى في بيته لو شاءت وسيكون الجميع في خدمتها وان تنطلق حرّة إذا رغبت ومتى شاءت. فاختارت رابعة الرحيل وانقطعت للعبادة كما كانت ترجو وبنت لنفسها خلوة انقطعت فيها للعبادة.

ضُرب المثل برابعة وحبّها الشديد لله الى درجة العشق، وتفانيها في عبادته والتقرب إليه. فهي تصلّي الليل كله، وتقول قولها الشهير: يا نفس كم تنامين! وإلى من تقومين! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور!

وقيل إن رابعة صامت في إحدى المرّات سبع ليالي وأيّام على التوالي وانقطعت للعبادة، وفي الليلة الثامنة شقّ عليها ما هي فيه فقالت في نفسها إلى متى هذا العذاب. فسمعت صوتا بالباب يناديها، فلما فتحت ناولها أحدهم طعاما في صحن فأخذته ووضعته لتوقد المصباح فجاء قط وأكل ما في الصحن وتبيّنت رابعة ما حدث فقالت أفطر على حبة ماء، وذهبت لتحصيل الماء فانطفـأ المصباح وسقطت جرة الماء من يدها فصرخت "يارب ماذا تريد بهذه المسكينة؟."

فسمعت هاتفا يقول لها: يا رابعة لو شئت أعطيناك الدنيا ولكن في المقابل ينبغي أن تنزعي من قلبك حبك لله، لأن الحب لله وللدنيا لا يجتمعان معاً! فنزعت حبّ الدنيا من قلبها. تقول رابعة: ومضت ثلاثون سنة لم أصلّ فيها لله دون أردد على نفسي أن صلاتي هذه هي آخر صلاة لي ولم أتوقّف للحظة طوال ذلك أدعو الله أن يغرقني في حبه، فلا يشغل قلبي بحب آخر خلاف حبه."

ومن اقوالها المأثورة في حبّ الله: ما عبدته خوفا من ناره ولا حبّا لجنته، فأكون كالأجير السوء، إن خاف عمل، أو إذا أُعطي عمل، بل عبدته حبا له وشوقا إليه.
وكانت تقول: يا رب لو كنت أعبدك مخافة النار فأحرقني بها ولو كنت أطمع في الجنة فاحرمني منها وإن كنت لا أعبدك إلا لوجهك فلا تحرمني مشاهدته.

ومن بعض كرامات رابعة، أن لصا دخل حجرتها وهي نائمة، فحمل الثياب وطلب الباب فلم يجده فوضعها فوجده، فحملها فخفي عليه، فأعاد ذلك مراراً، فهتف به هاتف: دع الثياب فإنا نحفظها ولا ندعها لك وإن كانت نائمة.
ويروى عنها أنها ذهبت للحج وكان لها حمار يحمل متاعها فمات. وتطوع من كانوا معها من القافلة أن يحملوا المتاع على دوابهم، ولكن رابعة قالت إنها لمّا نوَت الحج لم يكن اعتمادها عليهم بل على الله فرحلوا وتركوها فقالت تناجي ربها: أهكذا يفعل الملوك بالمستضعفين من عبيدهم؟ وهل من الممكن أن يسمح الله تعالى بأن ينفق حمارها ويتركها الجميع وحيدة في الصحراء وما كادت تنتهي من كلامها حتى نهض الحمار حيا يسعى فوضعت عليه متاعها وسارت في طريقها لتلحق بالقافلة.

ويروى أيضا أن الحسن البصري رآها يوما جالسة على شاطئ الفرات فنشر سجادته على الماء وطلب إليها أن تعبر إليه ليصلّيا معا. فتعجّبت منه رابعة وقالت: شطارة أهل الدنيا تريد أن تظهرها لأهل الآخرة. لو كنت تريد أن تظهر بشيء فافعل ما لا يستطيع الناس فعله. ثم ألقت سجادتها في الهواء وطلبت إليه الصعود حيث الأمان أكثر والعيون لا ترى عجيب فعلها. وأردفت تريد التخفيف عليه: يا سيدي ما فعلته أنت يفعله السمك وما فعلته أنا يفعله الذباب والمهم أن نبلغ درجة أعلى من هاتين الدرجتين اللتين بلغناهما أنا وأنت.

وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لأصحابها: انهضوا واخرجوا ودعوا الطريق مفتوحة لرسل الله تعالى، فنهضوا جميعا وخرجوا فما أغلقوا الباب حتى سمعوا رابعة تقول الشهادة فأجابها صوت (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر 27-30).

وُصفت رابعة (بمريم ثانية) وإنها السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف.
ووصف الغزالي حالها بقوله: إن حبّها لرب الدار، شغلها عن الدار وزينتها، بل عن كل شيء سواه، حتى عن نفسها، ومثلها مثل العاشق المنبهر بمعشوقه، المستوفي همّه بالنظر إلى وجهه، فإنه في حالة الاستغراق يغفل عن نفسه، ولا يحس بما يصيبه في بدنه ويعبّر عن هذه الحالة بأنه فني عن نفسه.
وأوضح الغزالي معنى أن رابعة فنيت عن نفسها أي أنها صارت مستغرقة بغير نفسها وصارت مهمومة بالله ولم يبق منها متسع لغيره أو لنفسها وهذه الحالة هي التي توصل إلى قرّة عين لا يُتصوّر أن تخطر في هذا العالم على قلب بشر.

وكانت رابعة تنظم الشعروتقول أبياتا في الله هي غاية الرقة والعذوبة:
في العشق الالهي

أحبك حبين: حبّ الهوى      
وحبّا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حبّ الهوى
فذكرٌ شُغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهلُ له
فكشفُك الحُجبَ حتى أراكا
فما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

وقولها

إن تكن راضياً عليّ فإني
يا مُنى القلب قد بدا إسعادي
وقولها
راحتي يا إخوتي في خلوتي
وحبيبي دائما في حَضرتي
لم أجد لي عن هواه عِوضا
وهواه في البرايا مِحنتي
يا سروري وحياتي دائما
نشأتي منك وأيضا نشوتي
قد هجرتُ الخلق جمعا أرتجي
منك وصلا هو أقصى مُنيتي

أمّا منتهى العشق الألهي ففي هذه الابيات

كأسي وخمري والنديم ثلاثة
وأنا المشوقة في المحبة: رابعه
كأس المسرّة والنعيم يديرها
ساقي المدام على المدى متتابعه
فإذا نظرت فلا أُرى إلا له
وإذا حضرت فلا أُرى إلا معه

وفي إحدى المرات سئلت رابعة من أين أنت؟ فقالت من العالم الآخر. وإلى أين تذهبين؟ فقالت: إلى العالم الآخر. وماذا تفعلين في الدنيا؟ فقالت : أعبث بها. وكيف تعبثين بها؟ فقالت: أكل خبزها وأعمل عمل الآخرة.

بعد حياة عظيمة طاهرة تركت رابعة الدنيا لتذهب الى عالمها الخاص ... العالم الآخر.

من أقوالها المأثورة قولها لسيدها:
- أمّا أنا فلو أن الله تعالي خّولني أمثال الذي خوّلك وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين.

كانت كثيرة الدعاء ومن دعاءها:
- اللهم ساعدنا لنعرفك أكثر، وندرك حبك لنا، ونتجاوب مع ذلك الحب الذي تغمرنا به اللهم أمين.

- اللهم ان كان يرضيك ما انا فيه فزدني وان كان لا يرضيك فاصرفه عني.

- اللهم اجعل الجنة لأحبائك..والنار لأعدائك..أما أنا فحسبي أنت.

- إلهي.. إن رزقي عندك وما ينقصني أحد شيئا ولا يسلبه مني إلا بقضائك.. والرزق منك.. فاللهم أسألك الرضا بعد القضاء.

تقول دائرة المعارف الإسلامية في الجزء11 من المجلد التاسع: " رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرّد زهّاد ونسّاك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفّاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيّده رغبة سوى حب الله وحده.
وتظلّ رابعة العدوية اسطورة وواقع في عشق الله
سامي الشرقاوي

21‏/12‏/2010

س.س: مباركة إيرانية، مشاركة فرنسية وتطنيش أميركي


بات في حكم المؤكّد أن الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية مع سوريا قد بلورت مسودّة اتفاق شامل بين البلدين لظبط الايقاع اللبناني بين مختلف الاطراف المتنازعة في هذا البلد، ليتناغم والمسيرة السياسية العامة لمنطقة الشرق الاوسط في هذه الحقبة بالذات.
وتقول المصادر المقرّبة من السعودية وسوريا المتابعة، انّ بنود الاتفاق قد انجزت بالفعل وعرضت بتفاصيلها على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري والامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وأكّدت انها نالت موافقتهما التامة.
كما أن ايران أعلنت موافقتها المسبقة على اتفاق س.س. ومباركتها له ودعمه في جميع المجالات. وقد حرصت ايران في الساعات القليلة الماضية على التأكيد أن تقوية العلاقات مع المملكة السعودية هي من أهم أولوياتها.
غير ان هذا الاتفاق يبقى سريا وغير معلن الى أن تكتمل ظروف اعلانه في وقت قريب، ولا يعرف تفاصيله غير عدد قليل جدا من الذين شاركوا في بنائه وصياغته.
لماذا؟
هنالك عدّة تحليلات، منها أن الاميركان طلبوا من القيادتين السورية والسعودية مهلة كي يستطيعوا تقويم الموقف الايراني من المفاوضات الجارية حاليا مع ايران بشأن ملفّها النووي. كما انهم يريدون لحكومة المالكي الجديدة في العراق ان تبصر النور ليتأكدوا بأن كل الاطراف ملتزمة بدعم حكومة التوافق (العراقي الاقليمي الدولي) في العراق.
ومنها أن فرنسا ترغب ايضا فسحة زمنية بسيطة لوضع الاتحاد الاوربي في جو المحادثات الاخيرة مع الرئيس السوري بخصوص لبنان، وتنسيق الجهود لمشاركة فعّالة خصوصا فيما يتعلّق بالوضع المسيحي في لبنان والعراق.
ومنها أن مصر بدأت مواكبة هذا الاتفاق لجهة دعمه وتقريب فرص المصالحة مع سوريا.
وفي هذا الشأن بدا ملفتا اعلان مصر في هذا الوقت بالذات عن اعتقال شبكة تجسس اسرائيلية لمراقبة شخصيات نافذة في مصر، وأن هذه الشبكة قد امتد نشاطها الى كل من سوريا ولبنان.
ماذا يعني كل هذا؟
أربعة فرضيات:
أولا: أنّ المدّعي العام للمحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق بجريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري، دانيال بلمار لم يتوصّل الى الآن لمعرفة الفاعل الحقيقي والمنفّذ لاتّهامه بجريمة الاغتيال، برغم كل التسريبات الاعلامية التي صدرت وتصدر عن ان القرار الظني المترقّب سيتّهم بعض افراد من حزب الله.
وقد أفادنا التاريخ بأن الاغتيالات السياسية التي أودت بحياة عدد من القادة والرؤساء، طوي التحقيق فيها وبقيت الحقيقة سرا مدفونا، وخير دليل على ذلك التحقيقات الغير مسبوقة في عملية اغتيال الرئيس الاميركي جون كينيدي منذ نحو 50 عاما، والتي لم تصل الى أي شيء ملموس حتى الآن.
ثانيا: أن الاطراف الاقليمية العربية ومعها ايران وتركيا قد توصلت كلها الى اقتناع ان المنطقة لا تتحمّل هزّة سياسية وطائفية سلبية قد تنتج في لبنان وبلاد أخرى بعد صدور قرار اتهامي لا يكون مبنيا على أدلة جنائية لا تقبل الشك.
وهذا تماما ما قاله الرئيس السوري بشار الاسد بأنه لا يمكن القبول بقرار اتّهامي لا يعتمد أدلة جنائية واضحة ودامغة.
ثالثا: اقتناع الاطراف المتنازعة في لبنان أن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال رفيق الحريري ومع انها من كبرى الجرائم، لا يمكن ان يكون سببا لاشعال حرب من أي نوع كانت في لبنان.
وهذا تماما ما قصده السيد حسن نصر الله عندما أعلن ان المحكمة الدولية باتت وراء حزب الله، وأنه يسعى الآن لحماية البلد من أية فتنة، وما قصده سعد الحريري بأنه لا يقبل أن تهرق نقطة دم واحدة في لبنان بسبب قضية اغتيال والده.
رابعا: فشل اسرائيل بإقناع الاميركان بخربطة الاوضاع في لبنان وتأييد ضربة عسكرية اسرائيلية لشل قدرات حزب الله والضغط على الدولة اللبنانية بقبول قرار ظني يتهم حزب الله بغض النظر ما اذا كانت الادلة كافية ودامغة أم لم تكن.
لذلك فقد قرأنا العديد من الردود على تسريبات القرار الظني، ان هذا القرار ليس نهاية الامر، فالمسيرة طويلة وهنالك محاكمة واستئناف ونقض.
يعني يجوز ان يطول هذا الامر الى أبد الآبدين، وفي نفس الوقت يبقى حزب الله متّهما رئيسيا الى ان تثبت براءته، فتضعف بذلك شوكته ويكون تحت وطأة الملاحقة الدولية الدائمة.
وأغلب الظن أن الاميركان لم يقبلوا بالعرض الاسرائيلي، ردا منهم على رفض اسرائيل الخطة الاميركية لتجميد الاستيطان في فلسطين، وعرقلتها لمحادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة.

فهل يمكننا أن نستنتج من هذا كله؟
1- ان "المحشور" الحقيقي في هذه الدوامة هو اسرائيل وليس حزب الله، بدليل انها غير قادرة تماما على وقف القوة العسكرية والسياسية للمقاومة والمتنامية بانتظام في لبنان.
2- أن الاميركان يعتمدون الآن سياسة "التطنيش".
فهم "يطنّشون" لأنهم باتوا عنصرا غير موثوق به لدى العرب وايران وتركيا وبقية دول العالم، خصوصا بعد تسريبات "ويكيليكس" الفاضحة.
يذكّرني هذا بمقولة " نزلت الحزينة الى المدينة لتفرح فلم تجد لها مكانا لتفرح".
وهم " يطنّشون" لأنهم لا يستطيعون دعم اسرائيل أكثر بعد أن "فهموا المغطس" الذي أوقعتهم به اسرائيل في المنطقة، وهم الآن بصدد التراجع عن الوجود المباشر في منطقة الشرق الاوسط وتقييم شامل لسياستهم فيها.
وهم "يطنّشون" لأنّهم باتوا مقتنعين ان أوروبا وبالأخص فرنسا وبريطانية، ليديها الخبرة السياسية الاقوى في المنطقة بحكم التاريخ والجغرافيا، فارتأوا تحريك الامور من وراء الستار لأن لعبة المصالح بين أميركا واوروبا بما فيها روسيا بإمكانها توصيل الامور الى ما يشتهي الجميع في الغرب من المنطقة، وبكلفة أقل.

هل يطول التطنيش الاميركي? 
وهل سيبصر اتفاق س.س. النور؟
انشاء الله خير.

سامي الشرقاوي

18‏/12‏/2010

الصبي يريد عروس جبنة وخيار


كان هدف اسرائيل الرئيسي من العدوان على غزة عام 2008 ولا يزال هو "خربطة" الانظمة العربية، وليس كما تقول تأديب حركة حماس والعمل على منع سقوط صواريخها على الاراضي الاسرائيلية.

فاسرائيل كانت تعلم يقين العلم أن الانظمة العربية على مختلف انتمائتها ستتريث من اتخاذ موقف جازم من هذا العدوان، وهي كانت تعلم أيضا علم اليقين ان جزءا لا يستهان به من الشارع العربي هو ضد تلك الانظمة وسيتحرك ضدّها بشتى الوسائل السلمية والغير سلمية.

لذلك كان يمعن الجيش الاسرائيلي وقيادته الجوية بشكل أخص من الحرص على قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين الفلسطينيين والحاق الخراب بأكبر عدد ممكن من المباني السكنية والمؤسسات المدنية.

في المقابل كنّا نلمس أن ما تركن عليه اسرائيل هو حقيقي ويتفاعل في جزء غير بسيط في الشارع العربي، فنرى أن الغضب من الانظمة العربية هو أكبر من الغضب من اسرائيل. غير ان قمع الانظمة وذكائها الاعلامي كان دائما يسيطر في النهاية ويضع الكمّامات على الافواه بشكل أو بآخر، ويدير وينظّّّّّّم هذا الغضب.

وكنّا أيضا نلمس ونرى أنّ التلكؤ والتردد في اتخاذ موقف عربي موحّد هو السيّد، والى الآن في كل الدول العربية من دون استثناء، بالرغم من أن بعض الدول تحاول ان تظهر بمظهر المتحمس لاتخاذ اجراءات ما ضد هذا العدوان، الا ان محاولاتها لا تتعدى "الضحك على الذقون" وايهام الناس بأنهم يسعون لفضّ الخلاف بين السلطة الفلسطينية وحماس وبقية المنظّمات الفلسطينية.
كما أنّ دولا أخرى كانت تتنافس على توفير العلاج وتقديم المساعدات، وكل ما يتعلق بتكاليف ومال.... وهكذا يكونون قد عملوا الواجب وأكثر.
وهناك الدول التي "تتفرج" من بعيد وبصمت مطبق.
غير أنّ الانكى من مواقف الدول العربية هو موقف اصحاب السلطة على الشعب الفلسطيني إن كانوا من هذه الجهة أم من تلك.

غريب أمر هؤلاء... يتخاصمون حتى الثمالة وذبح بعضهم البعض.
يتنافسون على من يحكم الوطن... والوطن لا يزال بعيدا.
يتنافسون على كيف يحكمون هذا الشعب الذي أضناه الذل والهوان، وبهدله الفقر وقهقرته العازة.
يتنافسون وهم أنفسهم يعيشون تحت قبضة اسرائيلية تقوى كلما تنافسوا وأضعفوا بعضهم البعض.
يتنافسون كيف يوجّهون هذا الشعب المسكين، نحو الشرق أو نحو الغرب.. نحو الاعتدال أو نحو التطرف.. نحو السلام أو نحو الحرب..
يتنافسون ولا يسألون هذا الشعب الفلسطيني المضنى ماذا يريد!

قعد رجل وزوجته يتسامران قبل النوم، ويحلمان سويا بمستقبل ابنهما الوحيد، فراحا يخطّطان له ماذا يجب أن يكون تخصّصه في الجامعة، وما هي الوظيفة التي تليق به وأين، ومن هي الفتاة التي يجب ان تكون زوجته.
غير أنّهما لم يستطيعان الاتفاق على حلم واحد، فحمي وطيس النقاش، وصار نقاشهما زعيقا وصريخا وأحيانا تشابكا بالايدي.
هي تريد ابنها أن يكون مهندسا وهو يريده طبيبا.
هي تريد ابنها أن يعمل لدى شركة أجنبية مهمّة وهو يريده أن يفتح مهنة على حسابه.
هي تريد تزويجه لابنة اختها لان ابنة عمّها لا تليق به. وهو يريد تزويجه لبنات احد الجيران لان عائلتها مقتدرة الحال وتستطيع ان تيسّر أعماله، وتؤمّن له مستقبلا واعدا.

بدأ الزوجان في زحمة الخناقة، يصولان ويجولان، يهدّدان ويتوعدّان مرّة، ويفاوضان باللين والهداوة مرّة، هي تقدّم تنازلا من جهة وهو يطنّش من جهة، من أجل الوصول الى حل بالنسبة الى الدراسة والوظيفة... أمّا بشأن العروس فكانت المشكلة بينهما عويصة ولا يظهر لها أية حلحلة.
هو يريد عروسا غنية.
وهي تريد ابنة اختها عروسا له.
ووسط الخناقة الحامية، دخل الصبي الى الغرفة قائلا:
ماما أريد عروس جبة وخيار آكلها قبل النوم!

لقد نجحت اسرائيل مرة أخرى بتأزيم الخلافات العربية والفلسطينية بشكل أخص، وتطويل أمد هذه الخلافات الى فترة مستقبلية ستكون الصراعات الداخلية فيها أعم وأشمل.
ويبقى من يدفع الثمن دائما – الشعب الفلسطيني البريء داخل قطاع غزة والضفة الغربية والاراضي الفلسطينية المحتلة – الذي لا حول له ولا قوة – قدره أن يعيش فقيرا ومعتّرا ومكتوما  أو .... يقتل بطريقة وحشية على أيدي اسرائيل أو هؤلاء أو أولئك.
والقتل الذي تمارسه اسرائيل ربما هو الاكثر وحشية والأكثر علنية، الا ان الاطفال والنساء والرجال الذين هم وقود الحروب والمعارك والسياسات العربية والاجنبية والفلسطينية بشكل خاص، يقتلون كل يوم آلاف المرات، وينكّل بهم كل يوم آلاف المرات، ويذلّل بهم كل يوم آلاف المرات.
من أجل هؤلاء، يجب على الشارع العربي والفلسطيني والاسلامي، وكل الانظمة العربية، وكل الدول الغربية، والامم المتحدة والمنظومة الاوروبية ومجلس الامن، واسرائيل أيضا أن يجدوا قاسما مشتركا بينهم يعتمدوا عليه اساسا يقي هذا الشعب العريق من العذاب والموت.
هذا شعب كان في أساس التاريخ والخلق، وسيبقى في أساس المستقبل والحضارة، فلماذا هذا الامعان في قتله؟
كل هذه الحروب والانقسامات والقصف والتشريد والموت لن يفيد، فهذا شعب لا يمكن ابادته...
انه أصل الدنيا ولا تستقيم هذه الحياة الاّ به.

 سامي الشرقاوي
 

14‏/12‏/2010

مسامير جحا من لبنان الى أفغانستان


كان جحا في قديم الزمان يتطفّل على البيوت فيقبع فيها، معتبرا نفسه من أهلها وله حقوق عندهم وعليهم واجبات نحوه. وعندما تستفحل الامور، وتضيق منه الصدور، ويبان من جحا المستور، ويخلو جرابه من الحيل و"البرابيك"، ولا يعود يقدر على مقاومة أصحاب البيوت، فيرحل طوعا او كرها، ولكنه يترك في البيت مسمارا "يدقّ" به اواصر الصداقة ويعلّق عليه شمّاعة حسن النوايا، ويكون لاصحاب البيوت تذكارا، ولجحا مزارا يحجّ اليه كلّما دعت الحاجة الى ذلك.

والاستعمار مثل صاحبنا جحا، شيء مقيت، ودخيل ثقيل يقبع ولا يرحل الا بعد أن يكون قد غرز فكره وعقيدته ونمطه، وزرع في قلوب أهل البيت شتّى أنواع الضياع والخوف والجهل والتخلّف والامراض، واوهمهم انهم بدونه لا يستطيعون تدبير أمورهم.
واذا استعرضنا حال منطقتنا في تاريخنا الغير بعيد، نرى ان الاستعمار غلبها وقبع على ظهرها، وسلّط عليها كل انواع شروره من مؤامرات ودسائس ولم يتركها الا بعد ان أنهكها وشلّها ومنعها من التقدّم والرقي ودقّ فيها مسامير جحا في جدران كل دول المنطقة من لبنان الى أفغانستان.
فمثلا بعد انتصار الحلفاء وُضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. ولم ترحل فرنسا الا بعد ان زرعت الفتن بين ابناء الشعب الواحد وحصلت بينهم أبشع المذابح. رحلت فرنسا ولكنها صارت الام الحنون. وخلّفت وراءها النظام السياسي، والارساليات التربوية، والقوانين القضائية، وقسّمت الدستور الى أعراف.
أمّا بريطانيا فقد قبعت في مصر والسودان والاردن والعراق وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس، وعملت على خلق الدولة العبرية على أرض فلسطين، وساعدت اليهود على طرد الفلسطينيين الى لبنان وسوريا فصاروا لاجئين بعد أن كانوا أسيادا أصيلين. ثم خرجت بعد أن زرعت الفتن والقلائل وأزكت الحروب والمؤامرات من حلف بغداد الى الحروب الاهلية في لبنان والانقلابات السياسية في سوريا والعراق، وحرّضت القبائل العربية وقسّمتهم، ووسّعت هوّة الخلافات العربية الايرانية.

نجحت بريطانيا العظمى في "دقّ" مسامير كثيرة في ايران وبلاد العرب أجمعين وركّزت "خازوقا" كبيرا في فلسطين.
وبدخول اسرائيل والولايات المتحدة على الخط العربي، خسرت فرنسا وبريطانيا زادا دسما من أرباح قنال السويس بسبب ثورة عبد الناصر عام 1952 وانتصاره على العدوان الثلاثي عام 1956. وبدأ منذ ذلك الوقت الصراع الاوروبي الاميركي في لبنان، مستعملين اللبنانيين الذين كانوا مؤهلين ومشحونين لمقاتلة بعضهم البعض ومقاتلة الفلسطينيين الذين أوهموهم أن لبنان يمكن أن يكون وطنا بديلا لهم، بعد أن أفشل حسين الاردن تلك الفكرة على اراضيه. 

وبغض النظر عن خطأ صدام حسين باحتلال الكويت، فقد كان صادقا بأن الاميركيين طلبوا منه ذلك رغم ان هذا يؤكد قصر نظره السياسي وطمعه الشخصي. فكان هذا العمل من أكبر المسامير التي أثبتها الاميركان في منطقة الشرق الاوسط، وساعدهم لاحقا على دخول تلك المنطقة من الباب العريض. 

بعد أن أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا، تحالفت روسيا مع بريطانيا لاحتلال إيران، وثبت ولي العهد محمد رضا شاه امبراطورا لإبقاء الكيان الإيراني في السلطة تحت اشراف اجنبي. غير ان ثورة الامام الخميني كانت مفاجأة كبيرة غير متوقّعة على مسرح الاحداث الدولية، ولم يكن امام الاستعمار الا الرد العسكري، وكان صدّام حسين أفضل من يوجّهوه ضد ايران على خلفية ان الشيعة ستقوى شوكتهم في الخليج وسيهاجمون سنة العراق برئاسة صدام ان عاجلا ام آجلا. فشنّ حربا على ايران دامت حوالي 10 سنوات انهكت الطرفين كما انها لم تعط اية مكاسب للدول الاجنبية لا في ايران ولا في العراق، لكنها تمكّنت من تثبيت نفوذها السياسي على باقي دول المنطقة.
وفي تركيا وبعد أن أعلن أتاتورك الجمهورية التركية نجح بمساعدة فرنسا وبريطانيا من استبدال المبادئ الإسلامية بأعراف قومية علمانية واستبدل الكتابة في تركيا من العربية إلى اللاتينية، وسيطر الحكم المدني على البلاد، وبدأت تركيا تعاني من معارضة الأكراد والأرمن الذين حضنتهم أوروبا وساعدتهم على مقاومة الاتراك ليبقى هذا الفتيل مشتعلا يشتد ويخمد وفق المصالح الغربية. 

أما المسمار الكبير لتركيا فهو معاناتها من صراع فكري حضاري رهيب، وقرار انتمائها الى اوروبا او الى آسيا، أو اذا ما كانت دولة اسلامية او علمانية، وهل ستنضم الى المجموعة الاوروبية أم لا؟ وهذا تماما ما جعلها عرضة لضغوط جمّة من اوروبا واميركا لقبول قواعد عسكرية على  اراضيها وارضاء اسرائيل اقتصاديا وعسكريا.

أمّا العراق وبعد أن تحوّل إلى النظام الجمهوري، شهد عددا من الانقلابات العسكرية وكان آخرها ثبوت صدام حسين في الحكم حتى حرب الخليج الثالثة التي بدأها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش وقد أعلن حينها صراحة أن حربه على العراق هي حربا صليبية لارجاع ما سلبه المسلمون والعرب بعد الحرب العالمية الاولى من حقوق الاستعمار الاجنبي لتلك البلاد.
هنا لا بد من التذكير بأن منطقة الخليج العربي كانت ولا تزال ملتقى الحضارات والثقافات القديمة، على مر التاريخ لأنها كانت تقع ضمن الهلال الخصيب وهو الأرض الخضراء التي تمتد من أقصى شمال الخليج مشَكلّة نصف دائرة حتى شمال غرب هذه المنطقة لتمتد إلى دلتا نهر النيل. وبمجيء الإسلام أصبحت الدولة الإسلامية تسيطر على الطرق التجارية عبر الخليج والبحر الأحمر، وعلى الطرق البرية عبر الأناضول.
ومع قدوم الاستعمار البريطاني، بدأت القبائل هجرتها إلى منطقة ساحل عمان التي تعرف الآن بالإمارات العربية المتحدة. أقلق هذا الوضع بريطانيا خصوصا عندما بدأت مقاومة القبائل لجيوشها، فعمدت الى زرع الفتن بين القبائل وتحريضهم على فك الوحدة والانقسام. نجحت بريطانيا بالسيطرة على المنطقة لقرنين كاملين وضمّت جميع الأراضي فيها الى الإمبراطورية البريطانية العظمى. وأصبحت مسؤولة عن الشؤون الخارجية والدفاع فيها. 


وبعد ظهور الدعوة السلفية في نجد، استطاع الملك عبد العزيز دخول الرياض وضم الإحساء والقطيف وباقي بلدان نجد والحجاز وأصبح ملكاَ للحجاز التي تحولت إلى المملكة العربية السعودية. وساهم اكتشاف النفط في حدّة المنافسة بين اوروبا واميركا على الصفقات النفطية. وبعد نزع الملك سعود عن العرش استلم شقيقه فيصل العرش وأصبح رمزا عربيا واسلاميا لاتخاذه مواقف شجاعة من قضايا فلسطين والعالمين الاسلامي والعربي. وعندما حاول ان يستعمل البترول سلاحا لمحاربة الغرب، اغتيل ليخلفه أخوه فهد الذي أقام علاقة ممتازة مع أميركا.
ولم تخرج بريطانيا من الأردن الا بعد أن ضمنت الدولة اليهودية وألغت فلسطين الدولة ووجد الاردن نفسه أمام واقع ضم الضفة الغربية التي خسرها بحرب 1967 وهو الان تحت ضغط التهديد بأن يكون الوطن البديل للفلسطينيين.
أما قطر فقد عرفت بريطانيا كيف تشتغل على المذهبية بينها وبين المملكة السعودية، فكان التوتر سيد الموقف بينهما الى ان أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية كبرى فيها، وأعطتها قوة معنوية بين دول الخليج وتم توثيق وتقوية علاقاتها ايضا مع دول الاتحاد الأوروبي.
ولم تنسحب بريطانيا من البحرين الا بعد أن ضمنت بقاءها مستقلة عن الدول المحيطة واعتبرتها "إمارة مستقلة،" وأرسلت أسطولاً بحريًا لحمايتها بعد ان أيقظ استقلالها ادّعاء إيران بحقها في حكم البحرين. وقبلت ايران المساومة لنيل مطالب أخرى فبات جيش الشاه يعتبر شرطي الخليج.
دخل الجنوب اليمني بعد استقلال اليمن من الاحتلال البريطاني في وحدة مع اليمن الشمالي. غير ان مسمار الاستعمار ظل يواظب على تأجيج النعرات حتى أعلن الجنوب انفصاله من الوحدة ولكنه أجبر على التوحّد مجدّدا، الاّ أنّ القضية لم تنته بعد وهي الى تصاعد مستمر بتدخلات أجنبية متواصلة.
والسودان مثل اليمن على شفير التقسيم او الحرب الاهلية، وحتى تعجز مصر عن التراجع عن سياساتها التطبيعية مع اسرائيل، وعن تدخل فاعل في السودان، أبرزوا في وجهها اثيوبيا تطالبها بالتنازل عن كميات كبيرة من منسوب مياه نهر النيل او الحرب. وطبعا فإن فرنسا وبريطانيا واميركا هم وحدهم المؤهلون لحل تلك الامور. 

بعد أن خرج الاحتلال السوفياتي من أفغانستان ترك فيها حكومة شيوعية قوية، جابهت مقاومة المجاهدين الاسلاميين بشتى الوسائل. غير أن المجاهدين استطاعوا دخول العاصمة كابول بمساعدة اجنبية وخاصة من الولايات المتحدة، فانفجرت الحرب الأهلية الأفغانية. ومع انفلات البلاد الأمني، وغياب القانون استولى رجال طالبان على البلاد، فاستدعى ذلك الامر تنبّه المجتمع الدولي، وزاد من الخلافات الإثنية. وباستقرار تنظيم القاعدة في أفغانستان صارت أفغانستان بؤرة صراع دولية. صحيح ان الحرب الاهلية الافغانية انتهت رسمياً بالغزو الأمريكي لأفغانستان لكن البلاد بقيت رهن تجاذبات اللاعبين الكبار في السياسة الدولية.

مسامير جحا من لبنان الى أفغانستان .... فهل من سبيل الى قلعها؟

سامي الشرقاوي
 

13‏/12‏/2010

باعتني. والثمن نفس تنباك


بعد أن دارت الايام (بالاذن من السيدة أم كلثوم)، وانتهى عهد كلينتون وبدأ عهد جورج بوش الابن، الذي لم تكد تمر لحظات على اعلان فوزه رئيسا، حتى أغارت طائرتان حربيتان على بغداد، في رسالة الى صدّام حسين مفادها "أننا في طريقنا اليك". ثم "خربط" كل ما حقّقه كلينتون بمسار السلام في الشرق الاوسط.
انسحبت اسرائيل عام 2000 من الجنوب اللبناني قبل أن يفتعل بوش "الخربطة" في الشرق الاوسط، ولكنها بقيت في موقعين صغيرين؛ مزارع شبعا وتلال كفر شوبا! مع أنّ كل شبر في الجنوب اللبناني لا يقل اهمية استراتيجية عن هذين الموقعين.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001، لتشعل الحرب وجاهة بين بوش من جهة وبين طالبان أفغانستان وصدّام العراق من جهة أخرى. وبالنتيجة احتل الاميركان وحلفاؤهم أفغانستان والعراق. وغاص بوش في حربه ضد تنظيم القاعدة وما يسمى بالارهاب الدولي، وجاءت ايران لتزيد همومه هما جديدا وتعلن تقدّمها في بناء مفاعل نووي.
وفي عام 2005 اغتيل رفيق الحريري وبعض المسؤلين اللبنانيين المحسوبين من الجناح الحريري. وسارعت الولايات المتحدة لاتهام سوريا التي كانت متواجدة سياسيا وعسكريا في لبنان بتدبير عملية الاغتيال، ممّا أدّى الى انتفاض الشارع اللبناني ضد الوجود السوري وارغامه على اجلاء قوّاته العسكرية من لبنان.
وقبل انتهاء عهد بوش شنّت اسرائيل حربا عام 2006 على حزب الله بهدف انهاء او انهاك بنيته التحتية ولكنه خرج منها أقوى مما كان. ولم تجد اسرائيل ما يحفظ ماء وجهها في الداخل غير الانتقام من غزة وأهلها فشنّت حربا ضروسا على حركة حماس وأهل غزّة الذين لا حول لهم ولا قوة. وخرجت منها بخفّي حنين.
أورث بوش باراك أوباما مشكلة شرسة في منطقة الشرق الاوسط خصوصا وأن الجيش الاميركي لا يزال متواجدا فيها. حاول أوباما أن يبدأ من حيث انتهى بيل كلينتون. وعيّن هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية باعتبارها خير من ينفّذ سياسة زوجها "السلمية" لكن مع الاخذ بالاعتبار "خصوصيات اسرائيل" وتحديد "الصفقات" المناسبة لجميع الاطراف.
لذلك ذكر أوباما في خطاب تنصيبه، أعداء أميركا وكيفية التعامل معهم والوضعين العراقي والافغاني، ولم يأت على ذكر ايران لا من قريب ولا من بعيد، بالرغم من استفحال الخلاف بين الدولتين بسبب المفاعل والوقود النووي الايراني.

ونسمع الآن همسا عن محادثات سريّة جرت وتجري بين مسؤولين ايرانيين وسوريين وسعوديين واميركيين بعيدة من الاضواء، تسامحت خلالها الولايات المتحدة (ورغم العقوبات الدولية على ايران) وتساهلت (ولا تزال) مع ايران بشأن مفاعلها النووي. وكان آخر اعلان من السيدة كلينتون ان مفاعل بوشهر وتغذيته بالوقود النووي وبدء انتاجه لا يقلق الولايات المتحدة بقدر ما تقلقها المنشئات النووية السرية التي تقيمها ايران في مناطق أخرى منها قم العاصمة الدينية والفقهية لايران.
ويقال أن آخر ما توصل اليه "التفاهم" الاميركي الايراني السوري السعودي هو اعادة تنظيم ادارة الشرق الاوسط بحيث يشرف كل فريق عن جزء مهم بالمنطقة. ويقال ان عملية البيع والشراء بدأت من هذه النقطة، حيث دفعت المملكة العربية السعودية لاميركا مبلغ 60 مليار دولار قيمة أسلحة على مدى 20 عاما. وهذا يعني بشكل أو بآخر تحديد مسار الشرق الاوسط للعشرين سنة المقبلة. فماذا باع الاميركان وماذا باع كل طرف لقاء هذه الصفقة؟
يقال ان الاميركان باعوا من خلال هذه الصفقة حلفائهم جميعا، الذين سيضطرون الى سحب جيوشهم من المنطقة والتخلي عن بعض نفوذهم، بعد رحيل القوات الاميركية التي ستبقي على نفوذ مهم من خلال قواعد عسكرية وسياسية فعّالة، ونافذة على الشرق الادنى والصين.
ويقال أن طالبان باعوا تنظيم القاعدة بقبولهم الدخول في الحياة السياسية الافغانية والباكستانية.
ويقال أن الجميع باعوا المالكي وعلاوي واتفقوا على بديل توافقي يرضي كل الاطراف.
ويقال ان سوريا باعت الاحزاب والتنظيمات الموالية لها في لبنان بما فيهم التنظيمات الفلسطينية داخل وخارج المخيّمات لتترك للحكومة اللبنانية البت بأمرهم. مقابل ان تتولى سوريا "التنسيق" السياسي مع لبنان بما يضمن امن واستقرار و"مصلحة" البلدين.
ويقال أن ايران باعت حزب الله بمعنى تجيير قدراته العسكرية للجيش اللبناني الذي ستتولى ايران المشاركة في تسليحه تحت عنوان مقاومة اسرائيل حتى التحرير الكامل للاراضي اللبنانية ولكن بشرط ضبط هذا السلاح ميدانيا . هذا بعد ان اقتنعت كل من ايران وسوريا ان الحزب قد "سقط" في الوحول السياسية الدولية والاقليمية واللبنانية بشكل خاص، و"شرد" عن مساره عندما أوهموه أو أوهم نفسه، أن المحكمة الدولية ستصدر قرارا ظنيا يتهمه باغتيال الحريري. وقد بدأت فعلا تسريبات تشير الى أن القرار الظني سيتهم أفرادا لا علاقة لهم بحزب الله وفقا لشهود لا علاقة لهم بشهود الزور الذي يبني عليهم حزب الله قضيته.
ووفق الهمس والوشوشة، يضمن لبنان وايران وسوريا عدم الاعتداء على اسرائيل من لبنان، وفق معادلة شبيهة بالمعادلة الاسرائيلية السورية الناجحة على مدى 40 عاما في الجولان، شرط أن تنسحب اسرائيل من كل الاراضي اللبنانية المتواجدة فيها وتتعهد دوليا بعدم الاعتداء على لبنان واختراق امنه وأن تحترم سيادته جوا وبرّا وبحرا.
هذه صفقة (إن صحّت ووجدت) مكلفة جدا وثمن البيع والشراء باهظ.
ولكن كيف يكون الحال في بيع وشراء بأثمان بخسة زهيدة؟
الواضح والصحيح فعلا أن الشعب الفلسطيني هو المتضرر الحقيقي في أي صفقة مقبلة، لأن جميع وكلائه، بمن فيهم أولياء أموره، باعوه بـ"وعد أوبامي" وهمي وهو اعلان "دولة فلسطينية ما" في العام القادم وامكانية انتمائها الى الامم المتحدة. وأصبحت قضيته مؤجلة لحين البت بالقضايا الاخرى المتعلقة بايران والعراق ولبنان وافغانستان وباكستان! بعكس الكلام المعسول الذي كان يصدر عن الادارات الدولية والاقليمية.

يذكّرني هذا الواقع بالرجل الذي أوكل والدته لتبحث له عن عروس. فدخلت بيتا يحسن أهله استقبال الخاطبات، وراحت الفتاة تتفنن بتحضير "نفس تنباك"  "عرمرمي" للخاطبة (بعد أن علمت ولعها بـ " تدخين النرجيلة") تدعكه دعكا، وتخبطه خبطا يصل الى مسامع الخاطبة، التي انشرح صدرها وسال لعابها وقرّرت أن هذه الفتاة تصلح فعلا كنّة لها.
بدأت الام تحكي لابنها وتستريح عن العروس التي اختارتها له: جمال كالبدر المصوّر. عيون كالمهى. قوام كغصن البان. لسان أحلى من الشهد. والبنت مثل النعجة لها فم يأكل لا يحكي. ويا إبني الطير المربّى غالي.
وصل خبر الزواج الى مسامع صديق للعريس يعرف الفتاة معرفة جيدة، فقصده وراح يصفها له وصفا يختلف كليا عن الوصف الذي وصفته امّه له...فعاتبها قائلا: أفلانة دميمة بشعة؟ قالت يا إبني الجمال جمال النفوس. وحولاء؟ يا ابني هذه حولة الحسن. وعرجاء؟ بل هي مشية الغنج. بدينة وقصيرة مثل "مدقّة الكبة"؟ بارك الله في طولك. فما كان من الابن إلا أن قال لأمه:  بيظهر يا أمّي أنك بعتيني بـ " نفس تنباك".
أتسائل ما هو ثمن الشعوب؟ وكيف تباع وتشرى؟ ومن له حق المتاجرة بها؟ وما هو الثمن الحقيقي للسلم، وكيف هو سعره في السوق المحلية والعالمية؟. وهل أن وسطاء السلام قد قرأوا فعلا التاريخ والجغرافيا، ليحسنوا تقييم الأراضي والشعوب؟. وإلى متى نرضى بهذا الواقع ونقبل ان نباع "بعزومة على طبخة بحص".

سامي الشرقاوي

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات