14‏/12‏/2010

مسامير جحا من لبنان الى أفغانستان


كان جحا في قديم الزمان يتطفّل على البيوت فيقبع فيها، معتبرا نفسه من أهلها وله حقوق عندهم وعليهم واجبات نحوه. وعندما تستفحل الامور، وتضيق منه الصدور، ويبان من جحا المستور، ويخلو جرابه من الحيل و"البرابيك"، ولا يعود يقدر على مقاومة أصحاب البيوت، فيرحل طوعا او كرها، ولكنه يترك في البيت مسمارا "يدقّ" به اواصر الصداقة ويعلّق عليه شمّاعة حسن النوايا، ويكون لاصحاب البيوت تذكارا، ولجحا مزارا يحجّ اليه كلّما دعت الحاجة الى ذلك.

والاستعمار مثل صاحبنا جحا، شيء مقيت، ودخيل ثقيل يقبع ولا يرحل الا بعد أن يكون قد غرز فكره وعقيدته ونمطه، وزرع في قلوب أهل البيت شتّى أنواع الضياع والخوف والجهل والتخلّف والامراض، واوهمهم انهم بدونه لا يستطيعون تدبير أمورهم.
واذا استعرضنا حال منطقتنا في تاريخنا الغير بعيد، نرى ان الاستعمار غلبها وقبع على ظهرها، وسلّط عليها كل انواع شروره من مؤامرات ودسائس ولم يتركها الا بعد ان أنهكها وشلّها ومنعها من التقدّم والرقي ودقّ فيها مسامير جحا في جدران كل دول المنطقة من لبنان الى أفغانستان.
فمثلا بعد انتصار الحلفاء وُضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. ولم ترحل فرنسا الا بعد ان زرعت الفتن بين ابناء الشعب الواحد وحصلت بينهم أبشع المذابح. رحلت فرنسا ولكنها صارت الام الحنون. وخلّفت وراءها النظام السياسي، والارساليات التربوية، والقوانين القضائية، وقسّمت الدستور الى أعراف.
أمّا بريطانيا فقد قبعت في مصر والسودان والاردن والعراق وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس، وعملت على خلق الدولة العبرية على أرض فلسطين، وساعدت اليهود على طرد الفلسطينيين الى لبنان وسوريا فصاروا لاجئين بعد أن كانوا أسيادا أصيلين. ثم خرجت بعد أن زرعت الفتن والقلائل وأزكت الحروب والمؤامرات من حلف بغداد الى الحروب الاهلية في لبنان والانقلابات السياسية في سوريا والعراق، وحرّضت القبائل العربية وقسّمتهم، ووسّعت هوّة الخلافات العربية الايرانية.

نجحت بريطانيا العظمى في "دقّ" مسامير كثيرة في ايران وبلاد العرب أجمعين وركّزت "خازوقا" كبيرا في فلسطين.
وبدخول اسرائيل والولايات المتحدة على الخط العربي، خسرت فرنسا وبريطانيا زادا دسما من أرباح قنال السويس بسبب ثورة عبد الناصر عام 1952 وانتصاره على العدوان الثلاثي عام 1956. وبدأ منذ ذلك الوقت الصراع الاوروبي الاميركي في لبنان، مستعملين اللبنانيين الذين كانوا مؤهلين ومشحونين لمقاتلة بعضهم البعض ومقاتلة الفلسطينيين الذين أوهموهم أن لبنان يمكن أن يكون وطنا بديلا لهم، بعد أن أفشل حسين الاردن تلك الفكرة على اراضيه. 

وبغض النظر عن خطأ صدام حسين باحتلال الكويت، فقد كان صادقا بأن الاميركيين طلبوا منه ذلك رغم ان هذا يؤكد قصر نظره السياسي وطمعه الشخصي. فكان هذا العمل من أكبر المسامير التي أثبتها الاميركان في منطقة الشرق الاوسط، وساعدهم لاحقا على دخول تلك المنطقة من الباب العريض. 

بعد أن أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا، تحالفت روسيا مع بريطانيا لاحتلال إيران، وثبت ولي العهد محمد رضا شاه امبراطورا لإبقاء الكيان الإيراني في السلطة تحت اشراف اجنبي. غير ان ثورة الامام الخميني كانت مفاجأة كبيرة غير متوقّعة على مسرح الاحداث الدولية، ولم يكن امام الاستعمار الا الرد العسكري، وكان صدّام حسين أفضل من يوجّهوه ضد ايران على خلفية ان الشيعة ستقوى شوكتهم في الخليج وسيهاجمون سنة العراق برئاسة صدام ان عاجلا ام آجلا. فشنّ حربا على ايران دامت حوالي 10 سنوات انهكت الطرفين كما انها لم تعط اية مكاسب للدول الاجنبية لا في ايران ولا في العراق، لكنها تمكّنت من تثبيت نفوذها السياسي على باقي دول المنطقة.
وفي تركيا وبعد أن أعلن أتاتورك الجمهورية التركية نجح بمساعدة فرنسا وبريطانيا من استبدال المبادئ الإسلامية بأعراف قومية علمانية واستبدل الكتابة في تركيا من العربية إلى اللاتينية، وسيطر الحكم المدني على البلاد، وبدأت تركيا تعاني من معارضة الأكراد والأرمن الذين حضنتهم أوروبا وساعدتهم على مقاومة الاتراك ليبقى هذا الفتيل مشتعلا يشتد ويخمد وفق المصالح الغربية. 

أما المسمار الكبير لتركيا فهو معاناتها من صراع فكري حضاري رهيب، وقرار انتمائها الى اوروبا او الى آسيا، أو اذا ما كانت دولة اسلامية او علمانية، وهل ستنضم الى المجموعة الاوروبية أم لا؟ وهذا تماما ما جعلها عرضة لضغوط جمّة من اوروبا واميركا لقبول قواعد عسكرية على  اراضيها وارضاء اسرائيل اقتصاديا وعسكريا.

أمّا العراق وبعد أن تحوّل إلى النظام الجمهوري، شهد عددا من الانقلابات العسكرية وكان آخرها ثبوت صدام حسين في الحكم حتى حرب الخليج الثالثة التي بدأها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش وقد أعلن حينها صراحة أن حربه على العراق هي حربا صليبية لارجاع ما سلبه المسلمون والعرب بعد الحرب العالمية الاولى من حقوق الاستعمار الاجنبي لتلك البلاد.
هنا لا بد من التذكير بأن منطقة الخليج العربي كانت ولا تزال ملتقى الحضارات والثقافات القديمة، على مر التاريخ لأنها كانت تقع ضمن الهلال الخصيب وهو الأرض الخضراء التي تمتد من أقصى شمال الخليج مشَكلّة نصف دائرة حتى شمال غرب هذه المنطقة لتمتد إلى دلتا نهر النيل. وبمجيء الإسلام أصبحت الدولة الإسلامية تسيطر على الطرق التجارية عبر الخليج والبحر الأحمر، وعلى الطرق البرية عبر الأناضول.
ومع قدوم الاستعمار البريطاني، بدأت القبائل هجرتها إلى منطقة ساحل عمان التي تعرف الآن بالإمارات العربية المتحدة. أقلق هذا الوضع بريطانيا خصوصا عندما بدأت مقاومة القبائل لجيوشها، فعمدت الى زرع الفتن بين القبائل وتحريضهم على فك الوحدة والانقسام. نجحت بريطانيا بالسيطرة على المنطقة لقرنين كاملين وضمّت جميع الأراضي فيها الى الإمبراطورية البريطانية العظمى. وأصبحت مسؤولة عن الشؤون الخارجية والدفاع فيها. 


وبعد ظهور الدعوة السلفية في نجد، استطاع الملك عبد العزيز دخول الرياض وضم الإحساء والقطيف وباقي بلدان نجد والحجاز وأصبح ملكاَ للحجاز التي تحولت إلى المملكة العربية السعودية. وساهم اكتشاف النفط في حدّة المنافسة بين اوروبا واميركا على الصفقات النفطية. وبعد نزع الملك سعود عن العرش استلم شقيقه فيصل العرش وأصبح رمزا عربيا واسلاميا لاتخاذه مواقف شجاعة من قضايا فلسطين والعالمين الاسلامي والعربي. وعندما حاول ان يستعمل البترول سلاحا لمحاربة الغرب، اغتيل ليخلفه أخوه فهد الذي أقام علاقة ممتازة مع أميركا.
ولم تخرج بريطانيا من الأردن الا بعد أن ضمنت الدولة اليهودية وألغت فلسطين الدولة ووجد الاردن نفسه أمام واقع ضم الضفة الغربية التي خسرها بحرب 1967 وهو الان تحت ضغط التهديد بأن يكون الوطن البديل للفلسطينيين.
أما قطر فقد عرفت بريطانيا كيف تشتغل على المذهبية بينها وبين المملكة السعودية، فكان التوتر سيد الموقف بينهما الى ان أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية كبرى فيها، وأعطتها قوة معنوية بين دول الخليج وتم توثيق وتقوية علاقاتها ايضا مع دول الاتحاد الأوروبي.
ولم تنسحب بريطانيا من البحرين الا بعد أن ضمنت بقاءها مستقلة عن الدول المحيطة واعتبرتها "إمارة مستقلة،" وأرسلت أسطولاً بحريًا لحمايتها بعد ان أيقظ استقلالها ادّعاء إيران بحقها في حكم البحرين. وقبلت ايران المساومة لنيل مطالب أخرى فبات جيش الشاه يعتبر شرطي الخليج.
دخل الجنوب اليمني بعد استقلال اليمن من الاحتلال البريطاني في وحدة مع اليمن الشمالي. غير ان مسمار الاستعمار ظل يواظب على تأجيج النعرات حتى أعلن الجنوب انفصاله من الوحدة ولكنه أجبر على التوحّد مجدّدا، الاّ أنّ القضية لم تنته بعد وهي الى تصاعد مستمر بتدخلات أجنبية متواصلة.
والسودان مثل اليمن على شفير التقسيم او الحرب الاهلية، وحتى تعجز مصر عن التراجع عن سياساتها التطبيعية مع اسرائيل، وعن تدخل فاعل في السودان، أبرزوا في وجهها اثيوبيا تطالبها بالتنازل عن كميات كبيرة من منسوب مياه نهر النيل او الحرب. وطبعا فإن فرنسا وبريطانيا واميركا هم وحدهم المؤهلون لحل تلك الامور. 

بعد أن خرج الاحتلال السوفياتي من أفغانستان ترك فيها حكومة شيوعية قوية، جابهت مقاومة المجاهدين الاسلاميين بشتى الوسائل. غير أن المجاهدين استطاعوا دخول العاصمة كابول بمساعدة اجنبية وخاصة من الولايات المتحدة، فانفجرت الحرب الأهلية الأفغانية. ومع انفلات البلاد الأمني، وغياب القانون استولى رجال طالبان على البلاد، فاستدعى ذلك الامر تنبّه المجتمع الدولي، وزاد من الخلافات الإثنية. وباستقرار تنظيم القاعدة في أفغانستان صارت أفغانستان بؤرة صراع دولية. صحيح ان الحرب الاهلية الافغانية انتهت رسمياً بالغزو الأمريكي لأفغانستان لكن البلاد بقيت رهن تجاذبات اللاعبين الكبار في السياسة الدولية.

مسامير جحا من لبنان الى أفغانستان .... فهل من سبيل الى قلعها؟

سامي الشرقاوي
 

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات