26‏/12‏/2010

رابعة العدوية أسطورة وواقع في عشق الله


رابعة العدوية أسطورة وواقع في عشق الله

هي (أم الخـير)، عابدة ومتصوفة عاشت حياتها في حب الله وماتت شهيدة العشق الالهي، وقبرها يزار بظاهر القدس على رأس جبل يسمى الطور.        
ولدت رابعة بنت إسماعيل العدوي في مدينة البصرة، وكانت الأبنة الرابعة لأب فقير سمّاها رابعة. وبعد وفاة والديها غادرت مع أخوة لها بحثا عن الطعام والماء، فضاعت عنهم، وهامت في البلاد وحيدة مشرّدة، فحظي بها لص من اللصوص، خطفها وباعها لتاجر بصراوي أذاقها سوء العذاب، وأجبرها على حياة اللهو والمجون فتمرّغت في حياة الغواية والخمر والشهوا.

خرجت هي وجاريات مثلها يوما مع سيدها في رحلة صيد للخدمة والترفيه، وصادفوا هنالك رجلَ تقوى عجوز أعمى، فراحوا يسخرون منه الى أن توجّه بالحديث الى رابعة وقال لها أنه يستطيع أن يرى جمال وصفاء روحها وطلب منها أن تتوب الى الله توبة خالصة، وهو سيرشدها الى الصراط المستقيم.

أثلج صدرها سماع ذلك من الشيخ الضرير، وصارت تخدم سيّدها وهي صائمة لا أحد يعرف بذلك، الى ان تنفرد بنفسها فتقوم الليل راكعة ساجدة تصلّي لربّها وتطلب منه العفو والغفران.
ثمّ ما لبثت أن رفضت حياة المجون والصخب، وتمرّدت على سيّدها مما دفعه الى سجنها وتعذيبها.
استيقظ سيّدها ذات ليلة، وذهب الى الغرفة التي سجن بها رابعة، ونظرمن فتحة صغيرة بباب الغرفة، فوجدها ساجدة وكأن هالة من نور تحيط بها، وسمعها تقول "يا رب لكم يتمنّى قلبي طاعتك وأن أبذل عمري متعبّدة لك، ولو كان أمري بيدي لما توقّفت عن هذه العبادة، ولكن أمري بيد سيدي."

فلمّا طلع النهار نادى عليها واعتقها وسألها أن تبقى في بيته لو شاءت وسيكون الجميع في خدمتها وان تنطلق حرّة إذا رغبت ومتى شاءت. فاختارت رابعة الرحيل وانقطعت للعبادة كما كانت ترجو وبنت لنفسها خلوة انقطعت فيها للعبادة.

ضُرب المثل برابعة وحبّها الشديد لله الى درجة العشق، وتفانيها في عبادته والتقرب إليه. فهي تصلّي الليل كله، وتقول قولها الشهير: يا نفس كم تنامين! وإلى من تقومين! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور!

وقيل إن رابعة صامت في إحدى المرّات سبع ليالي وأيّام على التوالي وانقطعت للعبادة، وفي الليلة الثامنة شقّ عليها ما هي فيه فقالت في نفسها إلى متى هذا العذاب. فسمعت صوتا بالباب يناديها، فلما فتحت ناولها أحدهم طعاما في صحن فأخذته ووضعته لتوقد المصباح فجاء قط وأكل ما في الصحن وتبيّنت رابعة ما حدث فقالت أفطر على حبة ماء، وذهبت لتحصيل الماء فانطفـأ المصباح وسقطت جرة الماء من يدها فصرخت "يارب ماذا تريد بهذه المسكينة؟."

فسمعت هاتفا يقول لها: يا رابعة لو شئت أعطيناك الدنيا ولكن في المقابل ينبغي أن تنزعي من قلبك حبك لله، لأن الحب لله وللدنيا لا يجتمعان معاً! فنزعت حبّ الدنيا من قلبها. تقول رابعة: ومضت ثلاثون سنة لم أصلّ فيها لله دون أردد على نفسي أن صلاتي هذه هي آخر صلاة لي ولم أتوقّف للحظة طوال ذلك أدعو الله أن يغرقني في حبه، فلا يشغل قلبي بحب آخر خلاف حبه."

ومن اقوالها المأثورة في حبّ الله: ما عبدته خوفا من ناره ولا حبّا لجنته، فأكون كالأجير السوء، إن خاف عمل، أو إذا أُعطي عمل، بل عبدته حبا له وشوقا إليه.
وكانت تقول: يا رب لو كنت أعبدك مخافة النار فأحرقني بها ولو كنت أطمع في الجنة فاحرمني منها وإن كنت لا أعبدك إلا لوجهك فلا تحرمني مشاهدته.

ومن بعض كرامات رابعة، أن لصا دخل حجرتها وهي نائمة، فحمل الثياب وطلب الباب فلم يجده فوضعها فوجده، فحملها فخفي عليه، فأعاد ذلك مراراً، فهتف به هاتف: دع الثياب فإنا نحفظها ولا ندعها لك وإن كانت نائمة.
ويروى عنها أنها ذهبت للحج وكان لها حمار يحمل متاعها فمات. وتطوع من كانوا معها من القافلة أن يحملوا المتاع على دوابهم، ولكن رابعة قالت إنها لمّا نوَت الحج لم يكن اعتمادها عليهم بل على الله فرحلوا وتركوها فقالت تناجي ربها: أهكذا يفعل الملوك بالمستضعفين من عبيدهم؟ وهل من الممكن أن يسمح الله تعالى بأن ينفق حمارها ويتركها الجميع وحيدة في الصحراء وما كادت تنتهي من كلامها حتى نهض الحمار حيا يسعى فوضعت عليه متاعها وسارت في طريقها لتلحق بالقافلة.

ويروى أيضا أن الحسن البصري رآها يوما جالسة على شاطئ الفرات فنشر سجادته على الماء وطلب إليها أن تعبر إليه ليصلّيا معا. فتعجّبت منه رابعة وقالت: شطارة أهل الدنيا تريد أن تظهرها لأهل الآخرة. لو كنت تريد أن تظهر بشيء فافعل ما لا يستطيع الناس فعله. ثم ألقت سجادتها في الهواء وطلبت إليه الصعود حيث الأمان أكثر والعيون لا ترى عجيب فعلها. وأردفت تريد التخفيف عليه: يا سيدي ما فعلته أنت يفعله السمك وما فعلته أنا يفعله الذباب والمهم أن نبلغ درجة أعلى من هاتين الدرجتين اللتين بلغناهما أنا وأنت.

وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لأصحابها: انهضوا واخرجوا ودعوا الطريق مفتوحة لرسل الله تعالى، فنهضوا جميعا وخرجوا فما أغلقوا الباب حتى سمعوا رابعة تقول الشهادة فأجابها صوت (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر 27-30).

وُصفت رابعة (بمريم ثانية) وإنها السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف.
ووصف الغزالي حالها بقوله: إن حبّها لرب الدار، شغلها عن الدار وزينتها، بل عن كل شيء سواه، حتى عن نفسها، ومثلها مثل العاشق المنبهر بمعشوقه، المستوفي همّه بالنظر إلى وجهه، فإنه في حالة الاستغراق يغفل عن نفسه، ولا يحس بما يصيبه في بدنه ويعبّر عن هذه الحالة بأنه فني عن نفسه.
وأوضح الغزالي معنى أن رابعة فنيت عن نفسها أي أنها صارت مستغرقة بغير نفسها وصارت مهمومة بالله ولم يبق منها متسع لغيره أو لنفسها وهذه الحالة هي التي توصل إلى قرّة عين لا يُتصوّر أن تخطر في هذا العالم على قلب بشر.

وكانت رابعة تنظم الشعروتقول أبياتا في الله هي غاية الرقة والعذوبة:
في العشق الالهي

أحبك حبين: حبّ الهوى      
وحبّا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حبّ الهوى
فذكرٌ شُغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهلُ له
فكشفُك الحُجبَ حتى أراكا
فما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

وقولها

إن تكن راضياً عليّ فإني
يا مُنى القلب قد بدا إسعادي
وقولها
راحتي يا إخوتي في خلوتي
وحبيبي دائما في حَضرتي
لم أجد لي عن هواه عِوضا
وهواه في البرايا مِحنتي
يا سروري وحياتي دائما
نشأتي منك وأيضا نشوتي
قد هجرتُ الخلق جمعا أرتجي
منك وصلا هو أقصى مُنيتي

أمّا منتهى العشق الألهي ففي هذه الابيات

كأسي وخمري والنديم ثلاثة
وأنا المشوقة في المحبة: رابعه
كأس المسرّة والنعيم يديرها
ساقي المدام على المدى متتابعه
فإذا نظرت فلا أُرى إلا له
وإذا حضرت فلا أُرى إلا معه

وفي إحدى المرات سئلت رابعة من أين أنت؟ فقالت من العالم الآخر. وإلى أين تذهبين؟ فقالت: إلى العالم الآخر. وماذا تفعلين في الدنيا؟ فقالت : أعبث بها. وكيف تعبثين بها؟ فقالت: أكل خبزها وأعمل عمل الآخرة.

بعد حياة عظيمة طاهرة تركت رابعة الدنيا لتذهب الى عالمها الخاص ... العالم الآخر.

من أقوالها المأثورة قولها لسيدها:
- أمّا أنا فلو أن الله تعالي خّولني أمثال الذي خوّلك وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين.

كانت كثيرة الدعاء ومن دعاءها:
- اللهم ساعدنا لنعرفك أكثر، وندرك حبك لنا، ونتجاوب مع ذلك الحب الذي تغمرنا به اللهم أمين.

- اللهم ان كان يرضيك ما انا فيه فزدني وان كان لا يرضيك فاصرفه عني.

- اللهم اجعل الجنة لأحبائك..والنار لأعدائك..أما أنا فحسبي أنت.

- إلهي.. إن رزقي عندك وما ينقصني أحد شيئا ولا يسلبه مني إلا بقضائك.. والرزق منك.. فاللهم أسألك الرضا بعد القضاء.

تقول دائرة المعارف الإسلامية في الجزء11 من المجلد التاسع: " رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرّد زهّاد ونسّاك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفّاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيّده رغبة سوى حب الله وحده.
وتظلّ رابعة العدوية اسطورة وواقع في عشق الله
سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات