21‏/06‏/2012

الشعوب العربية والانقلابات العسكرية الناعمة


لم تنحدر امتنا في تاريخها كانحدارها اليوم.
فكل ما جرى بتاريخ العرب من مؤامرات ودسائس وانقلابات وانتصارات وهزائم وحتى القرن السابع عشر كان من صنع العرب انفسهم تخطيطا وتنفيذا داخليا، او بسبب سلطانهم وقوتهم اقليميا ودوليا.
وكان كل هذا يصب في المطبخ العربي ولصالح العرب انفسهم اهدافا ومصالحا مهما اختلفت وتنوعت، ومهما كان وراءها ما وراءها من خفايا وامور سياسية ودينية ومذهبية وحتى عرقية قبلية.

ومع بدء تفشي المرض العضال في الجسم السلطاني العثماني في القرن التاسع عشر، وتدهور حالة السلطنة العثمانية، بدأ الغرب شرقهم وغربهم يحثون الخطى لارث بني عثمان. وبدأت العدوى المرضية تنهش ايضا الجسم العربي من محيطه لخليجه تأثرا بالداء السلطاني.

وبعد دخول الجسم العثماني المريض الحرب العالمية الاولى، وخسارة اجهزته التنفسية في كل العالم العربي. عمد الاغراب الجدد الى السعي لتقسيم الحصص والمنطقة وتعيين الحكام والملوك والرؤساء العرب. وكانت روسيا مشغولة بثورتها البلشوفية التي حولت روسيا فيما بعد الى اتحاد سوفياتي وعنصر توازن سياسي وعسكري مع دول الغرب، ومشكلة كبرى في بلاد العرب.

ولمّا أُعلنت خسارة المانيا الهتلرية للحرب الثانية، دخلت اميركا بقوة على خط المنطقة، وصارت الامة العربية كلها رهينة التجاذب المر والدامي بين القوى العظمى. وولدت انظمة صنيعة هذه القوى وكانت معظمها ادوات للحرب الباردة التي استعرت بين الغرب والشرق.

وعندما هبّت الشعوب العربية لتشعل ربيعها، كانت لها بالمرصاد وقبل انظمة البلاد، نفس تلك القوى العظمى. فالانظمة اضطرت للدخول في صراع مباشر مع الشعوب، أما القوى العظمى فقد عمدت الى تطبيق استراتيجية جديدة ودخلت لاستيعاب مباشر للشعوب.

ولأن مصالح القوى العظمى متضاربة شكلا وموضوعا، ولأن هذه القوى تريد ان تتجنب مواجهة مباشرة ضد بعضها البعض، لذلك يبدو انها اتفقت على قاسم مشترك يمكنها من خلاله ان تعيد ترتيب حصصها في الشرق الاوسط.
ويبدو ايضاً ان هذا القاسم المشترك هو الجنرالات العسكرية.

فالعسكر في مصر حسم موضوع الرئاسة، وما عاد يهم من يكون رئيساً، لأن السلطات كلها تقريبا باتت بيده. وهذا ما بدأ يُطلق عليه مصطلحا جديدا في السياسة وهو "الانقلاب الناعم".

ولأن القيادة العسكرية اظهرت حرصا على عدم المساس بأي بند من بنود الصلح القائم بين مصر واسرائيل، فقد غُضّ النظر الدولي على الاجراءات التي تقوم بها القيادة العسكرية في مصر، وإن جرى تأنيبا مهذبا احيانا من هنا، وضغطا امنيا احيانا من هناك، خصوصا في منطقة سينا والبحر الاحمر.

والاجتماع الاخير بين رؤساء القوى الكبرى، وإن لم يسفر عن نتيجة معلنة، انما باتت تتسرب يوميا معلومات تفيد بأن شيئا ما قد تم الاتفاق عليه بالشأن السوري.
والبيانات التي تصدر هذه الفترة عن القيادة الروسية توحي بأن شيئا ما صار في طور التنفيذ.
اهم هذه البيانات هو نصيحة القيادة الروسية للشعب الروسي بعدم السفر الى سوريا. وما يُحكى عن خطة اجلاء 100 الف عامل روسي في سوريا.
وقد بدأ يُشاع عن ملاذ آمن وعفو شامل للرئيس الاسد تُقدّمه أو توافق عليه دول الغرب واميركا!

ويبدو ان الدول الكبرى جميعها اعطت الضوء الاخضر للقيادة العسكرية السورية بالتحضير لانقلاب (ناعم) يطيح بالسلطة السياسية الحالية ويبعد الرئيس وترضى عنه المعارضة في آن معا. ومن غير العسكر يلتزم بتطبيق المعاهدات والاتفاقات على الارض؟

ثقة الدول الكبرى بالسياسين العرب فُقدت تماما، بعد ان تمادى السياسيون العرب بالمخادعة والمنافقة والكذب. وبعدما تراجعوا عن وعودهم والتزاماتهم، واعمى بريق السلطة أبصارهم وبصائرهم واخل بتوازنهم.

والمؤسسة العسكرية هي الوحيدة القادرة على اخماد الفتن المذهبية والعرقية، اذا صدر قرارا دوليا باخماد تلك الفتن!

وغض النظر عن تحرك العسكر والموافقة الغير مباشرة، هو تماما ما يحصل الآن في ليبيا وتونس واليمن وربما السودان ولبنان لاحقا.

وعندما يستتب الوضع للعسكر بشكل كامل، سيدرس المتدارسون كيف تستفيد اسرائيل من هذا كله!!! لان الوقت الآن لا يسمح بأن تُعطى اسرائيل الضمانات المطلوبة لأمنها!
ألم نقل ان كل ما يجري في بلادنا يجب ان يكون لصالح اسرائيل وليس لصالح شعوبنا؟

عبثا ما يقال ان الشعوب تقرر مصائرها.
فشعوبنا يُقرّر مصيرها غيرنا، لانهم لم يسمحوا لنا ان ننضج بعد كشعوب.
وللأسف لن ننضج حتى تستقر اسرائيل وتُحقّق امنها.

سامي الشرقاوي

هناك تعليق واحد:

Sperrmüllentsorgung Wien يقول...

شكرا على المجههههود

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات