28‏/03‏/2012

قنال السويس في مهب الفوضى المصرية


عنوان هذا المقال يأتي من تساؤل وهو لماذا احداث بور سعيد الآن وما سر التفجير الذي حصل مؤخرا في قنال السويس.
طبعا لن يكون هنالك اي جواب مباشر ولكن لنستعرض سويا شيئا من التاريخ الماضي والحاضر، في محاولة لالقاء ضوء ولو صغير على نوايا المستقبل بالنسبة لمصر ولقنال السويس بالذات. اذ ربما يستوجب الحذر، ويستوجب ايضا وفاقا شعبيا مصريا غير مسبوق لحماية مصر وممتلكاتها.
قصة قنال السويس يعرفها الجميع. فهي الممر المائي الواصل بين البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر، والسفن التي تعبر هذا الممر توفر رحلة طويلة وشاقة ومكلفة على طول الساحل الافريقي الغربي حول رأس الرجاء الصالح والساحل الافريقي الشرقي وبالعكس.
وقد بلغت ايرادات القنال حوالي 8 مليار دولار سنويا، تعود كلها الى الخزينة المصرية، بينما كانت عائداتها تعود الى الاستعمار الغربي الى ان جاء الزعيم جمال عبد الناصر وأمّم قنال السويس وطرد ادارتها الغربية، وأمّن كافة مداخيلها الى مصر.
فكرة حفر القنال لم تأت ابدا من ادمغة غربية كما يحاول الغرب اشاعة ذلك، بل صدرت الفكرة من ادمغة المصريين انفسهم. فالمصريون يحاولون منذ قديم الزمان حفر هذه القنال كي يسهّلوا امورا جمة في التجارة والحرب.
قام الفراعنة في عهد سيتي الاول عام 1310 قبل الميلاد بحفر قناة بين البحر الابيض والبحر الاحمر عام 1310 قبل الميلاد، ثم قناة نخاو عام 610 قبل الميلاد. بعدها جاء المستعمرون ليكملوا ما بدأه المصريون وحفروا يأيدي المصريين، قناة دارا الاول عام 510 قبل الميلاد، ثم قناة الاسكندر الاكبر عام 335 قبل الميلاد، ثم قناة بطليموس عام 285 قبل الميلاد، ثم قناة راجان عام 117 قبل الميلاد. وفي عهد الفتوحات الاسلامية شُقّت قناة عمرو بن العاص عام 640 م الى ان جاء الخليفة ابو جعفر المنصور وردمها منعا لأي امدادات من مصر الى اهالي مكة والمدينة الثائرين على الحكم العباسي آنذاك. ومن ثم اغلق الطريق البحري الى الهند وبلاد الشرق واصبحت البضائع تنقل عبر الصحراء بواسطة القوافل حتى عام 1820 م.
هكذا كانت أهمية القناة منذ التاريخ القديم.
أما في التاريخ الحديث فبعد ضم بريطانيا الهند في القرن التاسع عشر اصبحت طريق رأس الرجاء الصالح حكرا لها وحدها. وأظهرت فرنسا التي كانت تحتل مصر، الحاجة لاعادة فتح القناة. غير ان غباوة الاعتقاد ان منسوب مياه البحر الاحمر يفوق منسوب مياه البحر الابيض منعها من تحقيق هذا الامر بعد ان توفي من جراء تلك المحاولة ما يقارب 400 الف عامل مصري كان قد سخّرهم نابليون بونابرت لحفر القناة.
وفي عهد محمد علي نجح الفرنسيون في كسب عقد لحفر قناة السويس بعدما اكدوا ان منسوب مياه البحرين هو بنفس المستوى ولا خوف من طمي النيل لان بور سعيد شاطئها رملي.
عام 1858 تم انشاء شركة قناة السويس وبلغ عدد الاسهم المطروحة للاكتتاب حوالي 400 الف سهم بقيمة 500 فرنك فرنسي للسهم الواحد وقام مسيو دي ليسيبس بتولي مهام ادارتها وقد كان منصوصا في نظام الشركة ان الادارة ستكون فرنسية لمدة 99 سنة تنتقل بعدها الادارة الى الحكومة المصرية وتصبح هيئة قناة السويس هيئة مصرية بالكامل.
وفي عام 1861 بدأ انشاء مرفأ بور سعيد وفي نفس العام قام الخديوي اسماعيل بزيارة موقع العمل واختار بقعة ارض بجوار بحيرة التمساح لينشأ فيها فيما بعد مدينة الاسماعيلية.
كانت ادارة شركة القناة في فرنسا تحتفظ بمركزية لا تسمح للاقليم المصري باتخاذ اي قرار اداري او تنفيذي ولا تسمح لها بحق التصرف في اي مهمة دون الرجوع الى الادارة العامة الفرنسية. 
وكانت بريطانيا تعارض فكرة انشاء قتاة السويس من البداية الى النهاية، غير انها استطاعت بعد حوالي سنة من تشغيلها من شراء حصة مصر من سعيد باشا خليفة اسماعيل باشا وكان الثمن 4 مليون جنيه استرليني.
عام 1888 اعلن مؤتمر اسطنبول قناة السويس تحت الحماية البريطانية بعد ان نجحت بريطانيا باحتلال مصر واستعمارها هي والسودان، وضغطت على الخديوي توفيق بقمع ثورة عرابي.
خلال الحرب العالمية الاولى دافعت بريطانيا بكل قوة على حماية قناة السويس من سفن السلطنة العثمانية، واصرت عام 1936 تحت المعاهدة الانكلو مصرية من الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على قناة السويس. وعندما قامت الثورة المصرية عام 1952 نقضت هذه الاتفاقية ومنعت اسرائيل من استعمال القنال كممر مائي لها.
ورداً على قرار النقض، رفضت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية اعانة مصر ببناء السد العالي في السويس، فلجأ عبد الناصر الى تأميم قناة السويس عام 1956 كجزء من خطة الضغط على البلدين لاعادة النظر في قرارهما... ولما وجد اصرارا وتعنتاً في الرفض لجأ الى الاتحاد السوفييتي طالبا المساعدة لبناء السد.
حرم تأميم القناة السفن الاسرائيلية او المتجهة الى اسرائيل من عبور القناة، مما زاد في تأزيم الامور فضلا عن حرمان بريطانيا وفرنسا من موارد القناة الهائلة... فقررت اسرائيل شن حرب لتحريرها من القبضة المصرية وشارك في العدوان على مصر كل من فرنسا وبريطانيا.
الا ان مقاومة الشعب المصري للعدوان الثلاثي وفي مدينة بور سعيد بالذات فاقت كل التصورات وخطط الحرب، وارغمت الجيوش المعتدية على الاتسحاب دون تحقيق اي مكسب يذكر.
اعادت اسرائيل الكرة عام 1967 وشنت حربا على مصر الغاية منها اخضاع قناة السويس للملاحة الاسرائيلية على اقل تقدير.. الا انها وبالرغم من نجاحها باحتلال سيناء ووضع جيوشها على ضفة القناة الشرقية، ظلت القنال مقفلة لفترة كبيرة الى ان حرر الجيش المصري بقيادة انور السادات سيناء وايضا الضفة الشرقية للقنال وفتحها للملاحة والسماح للسفن الاسرائيلية باستخدامها بعد معاهدة سلام وقعها مع اسرائيل.
يعلمنا هذا التاريخ مدى اهمية قنال السويس للمصريين وايضا للطامعين. وما يجري اليوم على الساحة المصرية يجوز أن يكون محاولة من الغرب للسيطرة مجددا على هذا الممر المائي الشديد الاهمية لوصل الغرب بالشرق. ويبدو ان خلق البلبلة في مدينة بورسعيد وقنال السويس جزء من خطة عامة يريدها الغرب، لتبرير هدفا له في المستقبل بخصوص قنال السويس.
والمصريون الى الآن بمختلف اطيافهم واحزابهم ومشاربهم السياسية، رفضوا ويرفضون المساومة على هذا المرفق الحي، وهذا ربما السبب الاهم في تأخير الحل في مصر وفي تأجيج الصراعات بين اطياف الشعب المصري.
المسألة الداخلية في السياسة المصرية وكفاية الشعب المصري من احتياجاته اليومية وتطوير المؤسسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية في مصر لا يهم مجموعة الدول الغربية، كما لا يهمهم مسيرة الديمقراطية والعدالة في هذا البلد، بقدر ما يهمهم سياسة مصر الخارجية والتزامها بتأمين أمن اسرائيل.
إن غض النظر عن وصول الاسلاميين الى سدة الحكم في مصر على الطريقة التركية، قد يكون تكتيكا يستعمله الغرب ضمن استراتيجية شاملة، لوضع السنة في الشرق الاوسط بمواجهة الشيعة وعلى الاخص ايران، وايضا مواجهة الاقلية المسيحية. 
واذا وصل الحد الى الحرب الطائفية بين هذه الاطياف الطائفية، فإن التدخل العسكري الاممي على اتم الاستعداد للتدخل لفرض الحلول.... بدءا من السيطرة على قنال السويس.
لماذا قنال السويس؟
يجوز لانها الرد الطبيعي على تهديد ايران باغلاق مضيق هرمز امام الملاحة الدولية.
ويجوز لقطع التواصل بين ايران ومجموعاتها المنتشرة في مصر ولبنان وسوريا وغزة.
ويجوز لفرض حالة معينة لاخضاع القرار الروسي والصيني.
ويجوز لتأمين الحرية الكاملة للملاحه الاسرائيلية في القنال بما يسمح بمساحة اكبر لضمان امنها وبشكل مباشر.
ويجوز للسيطرة على ادراة وموارد القنال.

ويجوز لهذه الامور جميعها....

نتمنى ان يعي المصريون هذا الخطر ويضعوه ضمن حساباتهم ليرقوا الى مستوى من التوافق الديمقراطي على امن مصر القومي، ولا يضيعوا ويضيّعوا انفسهم في الخلافات على حصص ومكاسب لا تفيد....... والانظمة السابقة اكبر دليل ان مثل هذه الحصص والمكاسب لا تفيد اذا لم يكن الامن القومي للبلاد محمياً ومصاناً.

سامي الشرقاوي

17‏/03‏/2012

طبخة ايرانية اميركية لاستبعاد الاسد؟


تدور في هذه الفترة أخبار غير مؤكدة عن نوع من تفاهم ايراني اميركي بوساطة تركية، على انتقال سلمي للسلطة، حيث يرحل الرئيس السوري بشار الاسد، وتنتقل السلطة الى مجلس عسكري توافق عليه المعارضة، ومن ثم تعديل او تغيير الدستور الحالي واجراء انتخابات عامة تسمح بمجيء برلمانا سوريا مقبولا ورئيسا يتوافق عليه الداخل والخارج.
هذه هي بالظبط التجربة المصرية.... ذهب الرئيس وبقي النظام بشكل معدّل.

ما يجعل المرء يميل الى تصديق هذه الاخبار، هو خطاب السيد حسن نصر الله الاخير الذي دعا فيه كل الاطراف في سوريا الى القاء السلاح والدخول في حل سياسي، والاستطراد بالقول ان من يأمل بتغيير النظام في سوريا هو واهم.
طبعا..السيد نصر الله لا يقول هكذا كلام الا اذا كانت الادارة الايرانية موافقة عليه. وهذا الكلام يعني الكثير من المواقف السياسية الاخيرة التي اطلقتها ايران تباعا بالنسبة الى الصراع داخل سوريا او بالنسبة الى حل الملف النووي او بالنسبة الى الوضع الداخلي في ايران.
وربما هذا ايضا ما يفسر الزيارات المتقاطعة لوفود من حزب الله وايران وحماس والمعارضة السورية الى العاصمة القطرية التي يقال ان اميرها يرعى هذا التفاهم ويجهد لاحقاقه.
فهل تخلت ايران عن الرئيس لتبقي القيادة السورية تحت سيطرتها؟
قبل الاجابة على هذا السؤال يفيد جدا الالتفات الى قرار الحكومة الاسرائيلية المصغرة باعطاء الصلاحية الكاملة لرئيس الوزراء الاسرئيلي بنجامين نتنياهو، لقرار ضرب ايران عسكريا.
ماذا يعني هذا؟
بالطبع اسرائيل لا يرضيها اي تفاهم اقليمي يعزز الدور الايراني في المنطقة، لذلك فقد اسرعت باطلاق صفارات الانذار كي تسمع اميركا انه لا يمكن ان يكون اي حل في الشرق الاوسط دون ان ترضى عنه اسرائيل ولو كان هذا الحل بحجم اسقاط عدو من اعدائها.
ويفيد ايضا ان نلفت الى الصواريخ التي اطلقت من غزة على اسرائيل، والتي اشاد بها السيد نصر الله في خطابه، وقال انها اجبرت المدنيين الاسرائيليين على النزول الى الملاجيء للاحتماء منها. وهذا الكلام طبعا يفسر تلقائيا ان هذه الصواريخ من صنع وتمويل ايران، وان ايران ارادت بواسطتها ارسال رسالة الى اسرائيل انها باتت على حدودها.
وايران ترسل ايضا رسائل اعلامية الى اسرائيل تفيد ان قوتها الضاربة تسمح لها بتدمير معالم كثيرة في اسرائيل، مهما بلغت تقنيات الدفاعات الاسرائيلية ضد الصواريخ.
يقول خبير عسكري ان اي خطأ تقني في الدفاعات الاسرائيلية سيسمح لصاروخ ايراني تدمير قسم كبير وبشكل شامل لحي من احياء اسرائيل.
وما شأن كل هذا بالرئيس بشار الاسد؟
الجواب عند الادارة الروسية التي بعثت خارجيتها ما مفاده ان الرئيس الاسد لم يستمع لنصائحها وهو تأخر كثيرا في تطبيق هذه النصائح، وان هذه النصائح ما عادت قابلة للتطبيق.
هنا يجوز الفصل السياسي بين الرئيس والنظام... ومن هذا الفصل اختار الفقهاء السياسيون الدوليون والاقليميون ان يلجوا باب الحل.

طبعا النظام في سوريا يبقى في حسابات المعارضة السورية واجب التغيير. لان الحزب الحاكم هو في الحقيقة الذي يسيّر الدولة ويسيطر على سوريا. والرئيس السوري هو فقط جزء من هذا الحزب.
فهل توافق المعارضة السورية على خلع الرئيس وابقاء النظام؟
الجواب هو في الانتقال السلمي للسلطة الى مجلس عسكري في مرحلته الاولى... والمجلس العسكري هو الذي يقرر مصير حزب  البعث الحاكم.... هكذا هو الحال في مصر...
ولكن هل صحيح ان القيادة العسكرية السورية ورئيسها في وضع واهن، يجبرهم على القاء السلاح والتسليم؟
لا اعتقد...
القيادة السورية الحالية قيادة سياسة، تمرست على مدى اربعة عقود في احتراف الفن السياسي، واللعب على خلافات القيادات العربية وضعفها، وايضا على تردد الغرب في حسم الامور في المنطقة.
وهي تعرف بالظبط وبكل دقة مدى هذا الضعف واين يكمن ومتى يحين موعد تفجيره.
وهذا ما يخيف الاميركان والروس معا.
لذلك ربما بدأ التفكير جديا بالحل البديل اذا سقطت ورقة التفاهم التي يقال انه يجري الاعداد لها حاليا.
والحل البديل هو تفكيك الدولة السورية برمتها وان قضى هذا الامر تدخل عسكري دولي مباشر في المنطقة لفرض شرق اوسط جديد... وقد تردد هذا في مختلف الاروقة السياسية في العالم والمنطقة.

طبعا هذا التدخل الدولي لن يتم الا من بعد توريط المنطقة بحرب اهلية طائفية تسمح للجيوش الاممية بالنزول الى الميدان لفرض النظام وحقن الدماء.
واذا كانت هذه الجيوش الاممية تحت قيادة اميركية... فقد ضمن اوباما فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة.
هكذا ضمن بوش فوزه بعد الحرب الافغانية والعراقية!

أي من الحلّين سيسبق؟
الجواب ايضا عند الادارة الروسية.
فإن رفعوا الغطاء عن الرئيس الاسد في الامم المتحدة... فهذا يعني تقدّم الحل الايراني الاميركاني.
او سيتقدم اوباما بالحل الاميركاني عاجلا لا آجلا.

سامي الشرقاوي

10‏/03‏/2012

سوريا والحل العسكري للمنطقة


عندما قال الرئيس بشار الاسد انه قرر حل الازمة المستعرة في سوريا بالقبضة الحديدية، وقرن القول بالفعل في باب عمرو وحمص، قوبل هذا القول والفعل بالاستهجان الشبه عالمي، وفتح الباب امام تشريع مد المعارضة السورية بالسلاح اللازم لنصرة قضيتهم.
وهذا بالطبع يعني حربا اهلية في البلاد، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
وها قد بدأنا نلمس اشارات واضحة من الادارة الاميركية وبعض الدول الاوروبية، تشير الى ان نقاشات جادة تجري بالسر والعلن من اجل تدخل "عسكري ما" في سوريا، بالرغم من استمرار الجهود الدبلوماسية لتجنب هذا المنحى، وآخرها زيارة كوفي عنان الى سوريا، والتي بدأ دخان فشلها يتصاعد تدريجا. خصوصا وان قيادات المعارضة رفضت استقبال عنان او اي من مستشاريه، من اجل ايجاد حل سلمي للازمة، بحجة ان الوقت قد فات لايجاد هكذا حل طالما ان النظام السوري يمعن في "البطش العسكري".
ولم ينجح مؤتمر تونس الاخير بشأن الازمة السورية، سوى بحشد دول لم تتفق على كيفية معالجة الازمة مما ادى الى انسحاب الوفد السعودي.
وهناك افكارا كثيرة عن كيفية تدخل العالم عسكريا لفرض الحل في سوريا، منها تسليح المعارضة، بشكل يتناسب مع قوة النظام الضاربة، وتأمين ممر آمن للثوار، ودعمهم بضربات جوية على القوة الجوية النظامية الموالية للرئيس الاسد.
ولكن حكومات تلك البلدان ما زالت منقسمة وبشكل عميق، حول كيفية وتوقيت هذا الدعم. ومن هي القوى العسكرية التي ستقوم بالدعم. خصوصا وان روسيا والصين ما زالتا تعارضان اي قرار اممي بهذا الشأن.
تصر الادارة الاميريكية ان استراتيجيتها بالنسبة الى سوريا تركز على مد المدنيين بالمعونات الانسانية وتنظيم المعارضة السورية. غير ان الآمال تتضائل بشأن توحيد المعارضة السورية على الارض، بشكل يساعد على اضفاء اسباب شرعية يؤمن اعترافا دوليا بهذه المعارضة، كما حصل مع المعارضة الليبية. وبطبيعة الحال فإن الرئيس الاسد لا يظهر اي نية بالرضوخ او التنازل السياسي لمعارضيه.
بل ما زال الرئيس السوري يصر على ان الانتفاضة الحاصلة في سوريا هي من اعمال عناصر خارجية متطرفة. وهو يصر ايضا انه لا يمكن ان ينجح اي حوار في سوريا طالما ان هناك "منظمات ارهابية" حسب قوله، تنتشر على الاراضي السورية وتعيث فسادا فيها. وفق ما روته وكالة سانا عن الرئيس الاسد بعد اجتماعه بكوفي عنان.
وبعد اجتماع له في الجامعة العربية بالقاهرة، قال وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف ان روسيا لا تدعم النظام في سوريا، انما تحمي القانون الدولي، وبالتالي فإن روسيا لا تتطلع الى اي ثمن جغرافي في المنطقة، كما يتطلع باقي الفرقاء الذين يدفعون الى تدخل عسكري في سوريا، والذي تقف روسيا بوجهه بكل حزم.
رئيس وزراء قطر يقول ان صبر قطر وصبر العالم قد نفذ. والوزير السعودي سعود الفيصل يقول ان السعودية ضد اي حل فارغ واي موقف واهي بشأن الازمة السورية.
كل هذه القوى الخارجية الموالية والمعارضة للحل العسكري، والموالية والمعارضة للنظام السوري، تتفق على امر واحد اوحد، وهو ان الازمة في سوريا تشكل تهديدا جديا وخطيرا للاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، وايضا الاستقرار العالمي. وإن لم يتوقف النزف وقتل المدنيين في اسرع وقت ممكن، وإن لم يتفق الاطراف على حل ما من اجل انتقال سلمي للسلطة في سوريا، سيبقى هذا الخطر قائما ويتزايد يوميا وبشكل متسارع الى ان يصل الى حد الانفجار الكبير.
ويرجع المحللون اسباب هذا الاعتقاد، الى ان طول الازمة سيزيد الشرخ الطائفي والعرقي في سوريا. وسيكون له امتداد مؤثر على البلدان المجاورة مثل لبنان والعراق، ويمتد لاحقا الى باقي دول المنطقة، ليتسبب على مدى ليس بعيد بتنظيم حملات عسكرية غربية وشرقية لحماية الطوائف والاعراق في المنطقة.
هذا في الوقائع على الارض.
انما لماذا يجري ما يجري الآن وما هو السبب والمسبب.
من المؤسف ان زمام امورنا بعد سقوط الدولة العثمانية، بات في ايدي الغرب وان عارض هذا القول كثيرون. لكنه حقيقة بدليل ان كل ما يحدث في اي بلد من بلادنا العربية، لا يحدث الا باشارة او امر او قرار يأتي من الغرب، مباشرة او بطريقة غير مباشرة.
ومن المؤسف ان من يمسكون بزمام امورنا في الخارج، يعانون من نقص او عدم ادراك بشؤوننا، او ان شؤووننا لا تهمهم، فالنتيجة واحدة. لأنهم يبحثون عن مصالحهم ويمعنون بقض مصالحنا، وطيها وازالتها مع عامل الزمن.
ولكي يزيد في الطين بلة، فقد ثبت ان الادارات الاوروبية والاميركية، فشلت حتى بتدبير شؤونها، الداخلية، ما عرّض اوروبا واميركا الى شبه افلاس والى تخبط سياسي اقتصادي لا مثيل له. وهذا ما يبرر الهجمة القوية التي يهجمها الغرب على بلادنا لقلب الانظمة، وتغيير الاستراتيجية القديمة وتبديلها باستراتيجية تتناسب مع واقع الاقتصاد العالمي الراهن، ومع واقع التغيير الطائفي العقائدي على الارض.
لا شك ان منظمة القاعدة ساهمت الى حد كبير، بجعل الدول الغربية تفكر بتقوية المنظمات الاسلامية المعتدلة، للوقوف بوجه القاعدة وايضا بوجه القوة الشيعية السياسية في ايران والتي تتنامى قدراتها ليس فقط عسكريا بل ايضا علميا وتكنولوجيا.
وكما مارس الغرب غباءه في السابق بالتعامل معنا، فهم الآن يمارسون نفس الغباء. جل همهم التغيير لتأمين ظهرهم الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة.
اقتصاديا لانهم في حالة افلاس تقريبا. واستراتيجيا لان الصين وروسيا باتا يشكلان خطرا حقيقيا على الهيمنة الغربية في العالم. وتتقدمان بخطى ثابتة لاحتلال مراكز مهمة في العالم وتعيد ميزان القوى بعد ان كادت كفة هذا الميزان "تطبش" من ثقل اوروبا واميركا.
شخصيا اعتقد ان اطالة الازمة في سوريا تظل في صالح اوروبا والغرب، لانه كلما طالت الازمة كلما ضعف النظام. هذا اولا.
وكلما بقيت المعارضة غير موحدة، كلما كان الوضع على الارض يهيء مستقبلا، لفرز طائفي وعرقي يسهل على الغرب التدخل لاحقا لفرض الحل الذي يناسبهم.
أما الصين وروسيا، فإن قوتهما تبقى منحصرة في مجلس الامن. وهما في الحقيقة لا يقدمان اي خدمات للنظام السوري الا اعلاميا وداخل اروقة الامم المتحدة.
وهذا لسببين: الاول ان التركيبة السياسية في كل من البلدين لا تسمح لهما بالتدخل خارجيا بشكل مباشر. والسبب الثاني ان لكل من الصين حسابات خاصة لا تتعدى حاليا المشاركة في الجبنة بدل اخذ قطعة جبنة بالقوة.
ونبقى نحن عالقين بين غباء الغرب وبلادة الشرق.
وتتكرس فينا الغباوة والبلادة بآن معا.
لن نتحدث عن ولاة امورنا، لان هذا لا ينفع، ونحن نراهم يلهثون لايجاد حلول خارج اراضيهم لاراضيهم، مع ان الحل المنطقي موجود داخل الارض ومع الشعب.
والشعب يتخبط فقرا وجهلا ويأسا وقرفا.
وينقسم طوائف واعراق ومذاهب.
وكل يغني على ليلاه. وكل فريق يرى انه الحل الصائب.
نعود للأسف والبكاء... فقد سلّط الله علينا من هم أغبى منّا....
سامي الشرقاوي

02‏/03‏/2012

روابط اللعبة ومهزلة الديمقراطية


سأبدأ الكلام من آخره، فليس من روابط في اللعبة السياسية الامنية العسكرية الجارية حاليا في الشرق الاوسط.
وأيضا ليس هنالك اية ظوابط... فالجميع قد شرّع قواعد اللعبة ان تكون بلا قوانين، وأن يكون كل شيء مستباح... وأولهم الناس في هذه المنطقة الخصبة بالناس.
الرابط الوحيد في هذه اللعبة هو تكلّب قوى الغرب في افتراس هذه المنطقة. وهذا الرابط لا يعنينا بمعنى انه لا ينفعنا، ولكنه يوجعنا نحن ولا يوجع احد غيرنا.
يقال الكثير عن الاهداف التي بسببها يجري ما يجري في المنطقة. والتي بسببها طارت رؤوس حكام وانظمة وجاري الاكمال على من تبقى.
ويتيه الواحد في بحور من التحاليل والاقوايل، ويعجب من تسويق الغرب لفكرة ان ما يجري هو جزء من قواعد الديمقراطية. حين يرى ان فرض الحالات هي الامر الغالب حاليا كما كان سائدا من قبل.
لا تتغير غير الوجوه وطريقة التحكم بالسلطة والعباد.
ولتبسيط هذا الكلام، سأسرد وقائع لا تحاليل ولا افكار، وهذه الوقائع هي تعبر بنفسها عن واقع الحال.
يتقاسم السلطة في فلسطين نظامان، قسّما ما تبقى من فلسطين الى قطاعين. قطاع غزة وقطاع الضفة الغربية.... واعتذر اذ لم اجد وصفا افضل من "قطاع" اطلقه على الضفة الغربية.. والضفة الغربية هو الاسم الذي توافقت عليه عصبة الامم من قبل عملية الغدر بفلسطين وشعبها العريق في تاريخه وحضارته.... وأنا بكل تواضع لا اوافق على هذا الاسم..لانه وصف لمكان والقصد منه التفرقة بين ضفة وضفة نهر عربي واحد.
وأيضا القطاع هو وصف لمكان اقتطع من كل.. ولكن يبقى وصف القطاع يوحي بالاستقلالية.
اذن هذا واقع الامر في المنطقة التي تبقت من فلسطين، والتي كانت محتلة من اسرائيل، والتي نالت استقلالها برحيل اسرائيل عنها، والتي ما زالت تحت سيطرة اسرائيل بشكل مباشر في الضفة الغربية وبشكل عنيف في قطاع غزة.
والشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع ليس مسموحا له ان يشكي او يبكي او يقاوم الاحتلال او حتى يلعنه. لانه بذلك يكون ارهابيا وليس ديمقراطيا.
ولاسرائيل كل الحق ان تفتك وتقتل وتدمر وتأسر وتسجن ما يحلو لها من حجر وبشر فلسطيني في الضفة والقطاع ...لانها بذلك تكون تمارس الديمقراطية بكل حذافيرها.
والفريقان الرئيسان في الضفة والقطاع، ما زالوا في ارتباك كيف يتمموا المصالحة او هل يجب المصالحة او لماذا المصالحة..
هم ايضا يمارسون الديمقراطية بحذافيرها.

في لبنان تعم الفوضى منذ عقود. ويتوالى على العهود أشكال والوان من الحالات التي لم تكن يوما مفهومة.
منذ اتفاق القاهرة والغرب يريد لبنان ان يبدأ قواعد الديمقراطية ويطور الهدنة مع اسرائيل الى صلح شامل. ولان لبنان رفض هذا الامر، قامت الدنيا ولم تقعد على هذا البلد الرقيق. وفجأة صار الوجود الفلسطيني في لبنان وجودا عسكريا مسلحا، أعطي له نكهة طائفية جعلت المسيحيين في ذلك البلد يتأهبون. وفجأة صار لبنان لبنانين. وفجأة تواجد فيه قوى متعددة الجنسية وقوى اممية وقوى عربية...
وفجأة انسحب الجميع ليفسحوا لاسرائيل احتلال لبنان، وطرد منظمة التحرير وتنفيذ الديمقراطية بطريقتها.
وعندما قاوم اللبنانيون الاحتلال الاسرائيلي، صاروا غير ديمقراطيين، وحُكم عليهم ان يتخبّطوا بالفوضى، وينقسموا الى فئات واحزاب وطوائف ومذاهب.
وحتى لا تبقى الديمقراطية الغربية منفردة تلعب وحدها مع الديمقراطية الاسرائيلي في لبنان، دخلت الديمقراطية السورية والايرانية والسعودية وغيرها من الديمقراطيات التي حرصت بشكل مباشر او غير مباشر على ابقاء لبنان (ديمقراطيا) تحت وطأة الخلافات المتواصلة والاشتباكات التي لا تنتهي بين ابنائه.
واليوم كل فئة في لبنان تمارس ديمقراطيتها كما يحلو لها، وعلى الناس تطبيقها..والناس المساكين محتارين اي الديمقراطيات يطبقون.

أثناء المعمعة في لبنان، احتل الاميركيون العراق، لانهم بعد عدة عقود اكتشفوا ان صدام حسين ديكتاتور. فجائوا الى ذلك البلد ليطبقوا فيه وعلى الشعب العراقي (الابي العريق بحضارته والذي من ارضه نبعت العلوم والحضارات) قواعد الديمقراطية.
خلعوا صدام حسين واعدموه وحلّوا حزب البعث. ثم راحوا قبل ان يروحوا بتنفيذ ديمقراطيتهم. فاختلفت فجأة الاحزاب وتفرّق الناس شيعا ومذاهب واعراق. وعمّ القتل وشاع الدمار.
رحل الاميركان عن العراق وتركوا فيه مدرسة ديمقراطية ينفذها الاحزاب والطوائف والمذاهب بحذافيرها.
والناس تُقتل وهي تشتري الخضار من الاسواق.

وليبيا مثل العراق، بلد النفط القريب... اقام الغرب الدنيا واقعدوها على رأس القذافي لانه ديكتاتور... اكتشفوا هذا بعد اربعين سنة من الحكم. قامت الثورة الليبية وجاءت الامم لخلع القذافي.. وقتلوه في الشارع امام مجرور صرف مياه..
وبقيت الامم في ليبيا بشكل او بآخر لتعليم الليبيين وحكامهم الجدد الديمقراطية وطريقة تنفيذها. وبطريقة ديمقراطية سُحب التداول في الاعلام عما يجري حقيقة في ليبيا، بعد ان كانت ليبيا الشغل الشغل للاعلام الغربي والشرقي والشرق متوسطي.

في مصر، بدأت الديمقراطية الجديدة بعد الثورة التي لغاية اليوم لم نفهم غاياتها واهدافها. مثلنا مثل الشعب المصري العريق في حضارته واصوله وجذوره، والذي ادهش التاريخ بفنونه وعلومه وتقنياته وحضارته. فهو ايضا لا يفهم كيف قامت الثورة لتخلع نظاما، وكيف صارت الثورة اليوم عراكا يوميا بين افراد الشعب الواحد.
الغرب يقول ان ما جرى في مصر هو عين الديمقراطية. ونحن نرى ان من وصل الى الحكم ينفذ هذه الديمقراطية بشكل لا يختلف عن الحكم السابق.
ماذا تغير في مصر غير حسني مبارك وحاشيته؟
من يملك جوابا لهذا السؤال ارجو ان يعلمني.
لا اريد ان انظر الى حزب او فئة معينة بأنها حالة سياسية جديدة في البلاد... يجوز ان تكون حالة مختلفة.. الا انها تتبع نفس الاسلوب في السلطة ولكن بطريقة مختلفة.
ديمقراطية مختلفة في المنهج والاسلوب.
للأمانة اقول ان الشيء الوحيد الذي تغيّر هو فرض حالة من الفوضى السياسية والامنية التي يحاول المجلس العسكري ان ينظمها دون جدوى. لان هذا المجلس اصلا بات طرفا من الاطراف، وفئة من المصريين تنزل الى الشارع للهتاف ضده.

والآن جاري العمل لفرض ديمقراطية جديدة في سوريا. وعلى نفس المنوال.

اما تونس واليمن، فيكفي ان نذكّر بمواقعهما الاستراتيجية.
تونس بموقعها خاصرة دولة النفط ليبيا والرابط بين افريقيا وغرب البحر الابيض المتوسط. واليمن بموقعها خاصرة المملكة العربية السعودية.

ويبدو انه اذا ثبتت هذه الديمقراطيات الجديدة الآن، فمن الممكن جدا ان نرى بعد ثلاثة عقود او اقل او اكثر، هجمة غربية اخرى لفرض الديمقراطية عندنا في الشرق الاوسط وتغيير الحكام الذين سيستلمون الحكم الآن!

اردد دائما ان هذا الربيع العربي هو فيلم اجنبي طويل. يشارك به ممثلون من كل انحاء العالم، شاء القدر ان يكون موقع احداث هذا الفيلم...بلادنا كلها.
وهذا من ضعفنا..

سامي الشرقاوي


16‏/02‏/2012

إعادة كتابة تاريخ المنطقة بأقلام مختلفة


يكاد يكون ما يحصل اليوم من احداث في منطقة الشرق الاوسط، تهيئة لتقسيم المنطقة اداريا وجغرافيا، تماما كما حصل بعد الحربين الاولى والثانية. ولكن هذه المرة بوسائل مختلفة، وادارة مختلفة وتشابك دولي مختلف. وإن كان الهدف واحدا، وهو تقسيم المنطقة الى مربعات، يشرف على كل مربع ادارة وارادة دولية مختلفة، الا أن الادارات والارادات متفقة...علينا.
لتفسير وتبسيط هذا الكلام، لنقم بجولة سريعة على ما جرى في منطقتنا قبل واثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، لنرى كيف يجري تقاسمنا اليوم على نفس المنوال.

أدّى سقوط الامبراطورة العثمانية، الى خلْق ما يسمّى بشرق أوسط جديد. بيد أن خلق هذا الشرق الاوسط الجديد يومذاك سرعان ما خلق صراعات جديدة وكبيرة في المنطقة.
منحت عصبة الامم تفويضات من الدرجة الاولى الى فرنسا وبريطانيا. فكان التفويض الفرنسي لرعاية سوريا ولبنان والتفويض البريطاني لرعاية بلاد ما بين النهرين والاردن وفلسطين.
أمّا البلدان التي كانت جزءا من الامبراطورة العثمانية في شبه الجزيرة العربية فأصبحت ما يعرف اليوم باليمن والمملكة العربية السعودية.
وبمجرّد أن استلمت تلك الادارات الانتدابية مهامها، حتى اندلعت حروب مخابراتية خفية بين بعضها البعض، وتأججت برفض الشعوب للانتداب. ولكن سرعان ما تحوّلت الاحتجاجات الشعبية الى معارك طائفية بين الشعب الواحد. وهذا تماما ما يحصل اليوم ولا نستطيع انكاره او تمويهه او تجميله.
ثم وسط كل ذلك الصخب، استطاعت عصبة الامم ان تمرر بعد مشروع الانتداب، مشروع الغاء دولة فلسطين واقامة دولة اسرائيل. وسرعان ما وهب المستعمرون استقلال البلاد التي استعمروها، في محاولة للتخفيف من غلواء الشعوب، والسيطرة على ردود الفعل لكي لا تعرقل ولادة المولود الجديد في قلب الامة العربية.
ورحل الاستعمار عن البلاد، ولكن ترك فيها انظمة تعمل تحت اشرافهم وسيطرتهم.

كل الانظمة التي توالت على حكم البلاد العربية، عمدت الى تطبيع حكمها واطالة امده، اكبر مدة ممكنة. ولكن الصراع المخابراتي بين الدول التي كانت مستعمرة لم ينتهي. ووصل اوجه عندما بدأت الانقلابات السياسية والعسكرية تتوالى، وتهوى رؤوس وتقوم رؤوس الى ان جاءت ثورة عبد الناصر في مصر ونادت بالقومية العربية، واستطاعت تأميم قنال السويس ودحر عدوان ثلاثي من اجلها، شنته على مصر ثلاثة دول: بريطانيا وفرنسا واسرائيل.. المولود الجديد في قلب الامة العربية!
واليوم مصر هي في قلب المعركة. وربما يصح القول انها قلب المعركة وقالبها. فإذا سلمت مصر سلمت الامة العربية كلها.
وسوريا هي جوارح الامة العربية، واذا لم تسلم سوريا، تقطعت اوصال الامة العربية كلها.

الاشتباك الحاصل اليوم في البلاد العربية، ليس بشان الانظمة الحاكمة، انما بشأن استراتيجية انظمة جديدة للمنطقة، بعد ان تغيرت قواعد اللعبة بسقوط الاتحاد السوفياتي. وبعد ان فشلت الولايات المتحدة بالسيطرة الكاملة على الشرق الاوسط بعد احتلالها العراق. وبعد عدة حروب شنتها اسرائيل على مصر والاردن وسوريا وغزة ولبنان.
وربما ايضا بسبب فشل الولايات المتحدة، بفرض خطة السلام على الفلسطينيين.

وللتذكير، فإن الولايات المتحدة هي اللاعب الدولي الوحيد الجديد الذي يلعب في المنطقة، لان اوروبا بما فيها المانيا، وروسيا هم من اللاعبين الاساسيين في المنطقة في الحربين الاولى والثانية. ونستطيع القول ان الصين لاعب متجدد، لانها كفّت ووفّت ايام الفترة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ.

أما اقليميا، فنرى ان تركيا وايران برزا كلاعبين قويين كل لاعب منهما يدعم فريقا دوليا معينا.
وللتذكير ايضا، فإن الولايات المتحدة لم تشارك عسكريا في صراعات الشرق الاوسط، واكتفت بالتفرج على اوروبا وهي تفلس بسبب ضخامة كلفة الحرب، والمساهمة باعطائها ديون لانعاشها. بيد ان تلك المساعدات المالية الى اوروبا، لها كلفة سياسية اكبر من الكلفة المادية. فلم تتوانى اوروبا عن الموافقة على دخول اميركا الى المنطقة. اولا الى الخليج العربي وايران، حيث استطاعت هناك احتكار الكمية الاكبر من النفط الخليجي لصالح مشترياتها. كما ساهمت اميركا بمساعدة بلاد الخليج بما فيها ايران، على تطوير قدراتها العسكرية والانمائية، وظهرت بمظهر العراب الذي ساعد في منح الاستقلال لتلك البلدان من الاستعمار الاوروبي.

نعود الى فترة ما قبل الحرب الثانية. فبعد ان أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، استطاع الالمان ان يخرقوا خط "ماجينو" ويدفعوا القوات الفرنسية الى الداخل. أسرع الحلفاء بعد سقوط فرنسا الى ايجاد طريقة لمنع دولة فيشي للسيطرة على التفويض الفرنسي في سوريا ولبنان.

 كان للحلفاء اربعة خطط للهجوم على جيوش المحور: الهجوم على دمشق من فلسطين، الهجوم على بيروت من فلسطين، الهجوم على شمال سوريا من العراق، الهجوم على بالميرا في قلب سوريا وعلى طرابلس لبنان من العراق.
ما أشبه اليوم بالامس....... خطوط مواجهات..تتأهب

عام 1940 غدت منطقة الشرق الأوسط و حوض البحر المتوسط الساحة الرئيسية للحرب، و استمر ذلك حتى دخول الجيش الثامن التابع لدول الكومنولث إلى تونس بعد عبورها أراضي ليبيا.
في تلك الأثناء كان هنالك صراعات دائرة بين قوات فرنسا فيشي وبين سكان سوريا و لبنان و صراع في العراق عرف باسم الحرب الأنجلو عراقية (ثورة رشيد عالي الكيلاني).
وكأننا اليوم نشهد نفس الصراعات ولكن بلبوس مختلف وادوار مختلفة.

كانت بريطانية حريصة على كسب ود العرب في مصر و بلاد الشام و لم ترد لهم التعاون مع قوات المحور، و كانت تعلم أن قضية هجرة اليهود إلى فلسطين و الظلم الذي أظهرته في إدارتها للدول المنتدبة سيجعل من مهمتها في استرضاء العرب أصعب، لذلك حاولت إظهار حسن النية و كسب الدعم.
وما زال كسب الود مستمرا مع كل الاطراف، ولكن على حساب كل الاطراف ولحساب دولة اسرائيل.
فمنذ ذلك الوقت الى اليوم، لم ينمو أي شيء في المنطقة سوى دولة اسرائيل!

بعد استقلال كلا من سوريا والعراق أصبح الآشوريين والكلدان والسريان إحدى الأقليات الدينية الهامة فيهما. وبالرغم من عدم الاعتراف بالوجود القومي بالآشوريين والسريان ومحاولة فرض القومية العربية عليهم إلا أنهم غالبا ما تمتعوا بحقوق دينية واسعة في ظل حكومتي صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سوريا.

أدت الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية إلى تسارع وتيرة هجرة المسيحيين من العراق كما أدت حرب العراق سنة 2003 وما تبعه من انفلات أمني وهجمات استهدفت دور عبادة مسيحية إلى تناقص أعداد الآشوريين والكلدان بشكل كبير حيث نزح معظمهم إلى سوريا بالإضافة إلى دول أخرى.
فهل نشهد اليوم تتمة لذلك السيناريو القديم؟

كان الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لمصالح وطنية، والمعروفة باسم الحرب الباردة، جاء في الهيمنة على الساحة الدولية في فترة ما بعد الحرب.
واليوم يعيد التاريخ نفسه في هذه الحرب الباردة، وان كان بأقل وتيرة، بسبب التحاور المباشر والمصالح بين روسيا واميركا على شكل أخص.

كانت الحروب العربية الإسرائيلية مجالا للصراع بين الأسلحة السوفياتية والامريكية الصنع. ويبدو ان المنافسة نفسها لبيع الاسلحة ما زالت مستمرة بيت الغرب وروسيا. ودخلت الصين وايران في هذا السوق، مما زاد الازمة تعقيدا. ليس فقط بالنسبة الى المنطقة بل ايضا بالنسبة الى اللاعبين... لانه كلما كثر اللاعبون قلت الحصص... وكلما قلت الحصص بدأت المفاوضات وراء كواليس اروقة عصبة الامم، لتقاسم ما يمكن تقاسمه...
وكالعادة وسط الدبلوماسية المخادعة التي تفضي بالنتيجة الى اراقة دمائنا.

دول المنطقة الرئيسية الضعيفة اليوم في المنطقة هي الدول التي تجري على اراضيها ما يسمى بالربيع العربي. وهذه الدول هي: اليمن وليبيا وتونس ومصر وسوريا والعراق. ويلحق لبنان وقطاع غزة والضقة الغربية بهذه الدول بطبيعة الحال لحدة الانقسام السياسي فيها.
أما ايران وتركيا، فيعتبران من الدول الاقليمية المؤثرة، وتتبع كل منهما الى فريق دولي.
ايران تتبع الصين وروسيا. وتركيا تتبع الغرب.

إن تعنّت سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران وبالعكس، وتأجيج اسرائيل من خلال حربها المخابراتية على ايران، وآخرها اتهام ايران بتطوير صاروخ يبلغ مداه كافة المدن الاميريكية،  يُبقي احتمالات ضربة عسكرية موجّهة الى ايران عالية نسبيا.
وإن كانت حسابات النتائج بتسبب حرب شاملة في الخليج العربي الفارسي تخفف من وقوع مثل هذه ضربة الا انهاا لا تنفيها، لسببين: الاول ان ايران باتت محاصرة بشكل شبه كامل اقتصاديا، وثانيا لأن من مصلحة اسرائيل اضعاف ايران.
ورغم أن لكل من ايران واسرائيل اسبابا مختلفة لنزاع عسكري فإن الهدف يبدو واحدا وهو تغيير جذري لموازين القوى في منطقة الشرق الاوسط.

فمن سيطلق الرصاصة الاولى في المنطقة؟
وعلى ماذا ستسفر نتائج المعارك العسكرية؟
وكيف ستتغير ديموغرافية الوطن؟
وأين ستذهب الاقليات؟
وكيف ستكون الخريطة السنية الشيعية الجديدة في المنطقة؟
وكيف سيقتسم اللاعبون الكبار خيراتنا؟
وكيف سيعاد تقسيم الخريطة الفلسطينية الاسرائيلية في غزة والضفة الغربية والاردن؟

كل الدلائل تشير ان شيئا ما يستوي على نار خفيفة ولكن تحمو شيئا فشيئا كل يوم.
فهل سيتفق الكبار على تسوية دون حرب؟
أم هل سيتفق الصغار على حرب لفرض تسوية مناسبة لهم؟

سنعرف قريبا.

سامي الشرقاوي

03‏/02‏/2012

طبخة الانظمة ودماء الشوارع


قد يتوصل مجلس الأمن الى صيغة بيان بشأن سوريا يوافق عليه اعضاء المجلس جميعهم بما فيهم المندوب الروسي...
فما هي البنود الغير معلنة التي قد يوافق عليها الجميع؟

قبل الاجابة على هذا السؤال، من المفيد ان نستعرض الاحداث التي تصاحب مناقشات مجلس الامن في الساحة العربية (بما فيها الساحة الفلسطينية)، وايران. وأن نستعرض بعض ما يجري على الساحة الدولية حاضرا وعلى مدى قريب.
برغم ان المشهد المصري في احداث بور سعيد الكروية، ينحصر بجمهور كرة قدم  ومباراة ربحها فريق فحنق جمهوره وهاجم لاعبين الفريق الآخر ومؤيديه!!!! فإن حقيقة الامر تتعدى الحالة الرياضية وحماس جماهير كرة القدم... الى حالة سياسية بامتياز ترتبط ارتباطا وثيقا بما يجري في منطقة الشرق الاوسط وخلف كواليس الامم المتحدة ومجلس الامن بشأن الازمة السورية.
وعندما يتناقش الكبار في مجلس الامن، فإن النقاش بطبيعة الحال لا ينحصر بحالة معينة في المنطقة، بل يمتد ليشمل الحالة العامة، ويشمل حسابات الارباح والكلفة.
ولكن سنترك هذا الطرح الآن لنثيره لاحقا هنا.
تشهد الازمة السورية في هذه الايام، معارك حربية حقيقية بين السلطة والمعارضة، يجرى فيها تبادل كر وفر لم يسبق له مثيل منذ بدء الازمة في سوريا. فقد سيطرت المعارضة عسكريا على بعض المناطق، واسترجع الجيش السوري بعض المناطق، وبقيت مناطق اخرى مهددة لحسومات عسكرية قد تذكرنا بمجازر حمص وحماه.
وفي الايام القليلة الماضية جرت فجأة مصالحة بين حركة حماس والمملكة الاردنية برعاية قطرية، وزيارة مفاجئة ايضا لمسؤول عسكري لحركة الجهاد الفلسطينية لايران.
وفي ايران، اعلنت طهران ايضا فجأة انها مستعدة للتحاور مع المنظمة الدولية بشأن برنامجها النووي، وتمت بالفعل زيارة المنظمة لايران، وخرج من الطرفين تصريحات مشجعة تعبر عن نوايا حسنة لحل هذه الازمة.
أما في لبنان، فقد تفاجأ اللبنانيون بتعليق اعمال الحكومة اللبنانية بسبب خلاف على تعيينات ادارية وقضائية. ولم تكن هذه الخلافات تؤثر في الماضي على دورة الحياة السياسية في لبنان.. فماذا جرى اليوم حتى توقف الحكومة اللبنانية جلساتها وتعلق اعمالها؟
ولا ينحصر المشهد الروسي على السياسة الخارجية فقط، فهمّ روسيا الآن هو تأمين الانتخابات في مطلع آذار، بشكل لا يتعرض لهزات وازمات تحرك الشارع الروسي سلبيا ضد النظام وبالتحديد ضد فلاديمير بوتين.
واذا كانت روسيا تتشدد في سياستها الخارجية تجاه التعاون في مجلس الامن بشأن الازمة السورية، فهي بذلك ترسل رسائل واضحة الى اميركا واوروبا بعدم التدخل في شؤونها الداخلية. والمساومة في هذه النقطة بالذات بين الطرفين تأخذ ابعادا كبيرة وخطيرة، قد تحول هذه الحرب الباردة بين الدولتين الى حروب ساخنة غير مباشرة تستعر بها منطقة الشرق الاوسط.
ومن هذه النقطة نستطيع ان ننطلق الى يجري خلف كواليس مجلس الامن بين القوى العظمى.

اعلنت روسيا انها ليست حليفا لسوريا ولا لنظام الاسد، وهذا الاعلان كان الباب الذي استطاعت ان تدخل منه الى مساومة حقيقية مع اميركا ودول اوروبا الغربية، وقد ادخلت معها شروطها من اجل تسوية في المنطقة ككل وليس فقط تسوية الازمة السورية.
ولكنها ابقت يدها على الزناد.

ايران حذت حذو روسيا، وقدّمت عرضا لمناقشة شأنها النووي، ووافقت على دخول المنظمة النووية الى ايران للتدارس معها والاطلاع على النظام النووي الايراني. كما صدر عن وزير خارجية ايران اشارات واضحة عندما نصح النظام السوري بالبدء باصلاحات حقيقية والالتزام بها، مما يعني ان ايران تريد ان تتقرب من المنحى الآخر بشأن سوريا من دون المساس بحقوقها في المنطقة... لذلك فهي بدأت التحاور مع حماس وحركة الجهاد الاسلامية الفلسطينية..
فأبقت يدها ايضا على الزناد.

الرد على ايران جاء من لبنان.. حيث توقفت فجأة الحكومة اللبنانية بقرار من رئيسها، الذي علّق الجلسات الحكومية... وبالتالي من اللمكن ان يكون هذا رسالة مباشرة الى حزب الله في لبنان الذي بيده مقادير هذه الحكومة، والى ايران بشكل غير مباشر... ان حساباتها في لبنان قد تنقلب رأسا على عقب.

أما الخبر المثير الذي اعلنته اسرائيل، وهو ادعائها ان ايران تطور صاروخا ليصل مداه الى اميركا، قد يكون تحضيرا لعمل امني ستقوم به اسرائيل ضد ايران او حزب الله في لبنان. ووجود رئيس الموساد الاسرائيلي في اميركا، والذي من المفترض ان يكون سريا، ولكنه انفضح من غير قصد في نقاشات الكونغرس، قد يكون تحضيرا عملانيا لهذا العمل الامني الاسرائيلي، وليس فقط لأخذ الموافقة الاميركية.
ويدا اميركا واسرائيل ايضا على الزناد.

ماذا تريد روسيا؟
بالطبع هي تريد ان تعود الى ما كانت عليه من وضع مؤثر في المنطقة... هذا اولا. وهي تريد حصصا ترضيها في المنطقة..وروسيا وايران من حصصها ولن تتنازل عنهما بسهولة، الا اذا كان الثمن يفوق قدرتها على عدم القبول به.
ايران تخطّت حالة ان تكون لعبة اممية، وصارت حالة تشارك في هذه اللعبة، وبالتالي تشارك في المساومات وتحدد اثمانا مثلها مثل باقي الدول المؤثرة على الساحة. لذلك جاري العمل على تحديد اطر مشاركتها والزامها عدم تخطي تلك الاطر. وبكلام آخر .. قد تقبض اثمانا معينة لتقوم بإجرائات معينة في المنطقة.

لا يمكن الآن ان تتضّح الاثمان، ولكن من شبه المؤكد ان روسيا وايران قبضتا ثمن موافقتهما على ازاحة النظام في سوريا، او على الاقل اضعافه.
ولكن اين أخطأ الاسد كي دفع روسيا وايران الى اتخاذ مواقف لا تلتزم بوجوده كرئيس؟

يجوز انه اخطأ مع ايران، عندما حاول ان يزجّ حزب الله عسكريا في الداخل السوري، وعدم قدرته على حماية الايرانيين في سوريا.
ويجوز انه اخطأ مع روسيا عندما لم يستطع ان يحسم الامور عسكريا لصالحه بالسرعة المطلوبة، وبالتالي أحرج روسيا امام الرأي العام العالمي، مما جعلها تطلب رعاية حوار بينه وبين المعارضة في روسيا.

في كل الاحوال ومهما كان القرار الذي سيصدر او لا يصدر عن مجلس الامن، فقد سطع امران جليان من خلال ازمة المنطقة:
الامر الاول.... ان روسيا وايران باتتا من القوى المؤثرة في المنطقة ولا يمكن الاستهانة بمقدرتهما على الساحة الاقليمية..وربما ايران ايضا على الساحة الدولية
الامر الثاني ... ان الانظمة في الدول العربية للأسف، هي صنيعة توافق اقليمي دولي، وليس صنيعة قرار شعبي.. 
ولو نزلت الشعوب كلها الى الشوارع ...

سامي الشرقاوي




قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات