10‏/03‏/2012

سوريا والحل العسكري للمنطقة


عندما قال الرئيس بشار الاسد انه قرر حل الازمة المستعرة في سوريا بالقبضة الحديدية، وقرن القول بالفعل في باب عمرو وحمص، قوبل هذا القول والفعل بالاستهجان الشبه عالمي، وفتح الباب امام تشريع مد المعارضة السورية بالسلاح اللازم لنصرة قضيتهم.
وهذا بالطبع يعني حربا اهلية في البلاد، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
وها قد بدأنا نلمس اشارات واضحة من الادارة الاميركية وبعض الدول الاوروبية، تشير الى ان نقاشات جادة تجري بالسر والعلن من اجل تدخل "عسكري ما" في سوريا، بالرغم من استمرار الجهود الدبلوماسية لتجنب هذا المنحى، وآخرها زيارة كوفي عنان الى سوريا، والتي بدأ دخان فشلها يتصاعد تدريجا. خصوصا وان قيادات المعارضة رفضت استقبال عنان او اي من مستشاريه، من اجل ايجاد حل سلمي للازمة، بحجة ان الوقت قد فات لايجاد هكذا حل طالما ان النظام السوري يمعن في "البطش العسكري".
ولم ينجح مؤتمر تونس الاخير بشأن الازمة السورية، سوى بحشد دول لم تتفق على كيفية معالجة الازمة مما ادى الى انسحاب الوفد السعودي.
وهناك افكارا كثيرة عن كيفية تدخل العالم عسكريا لفرض الحل في سوريا، منها تسليح المعارضة، بشكل يتناسب مع قوة النظام الضاربة، وتأمين ممر آمن للثوار، ودعمهم بضربات جوية على القوة الجوية النظامية الموالية للرئيس الاسد.
ولكن حكومات تلك البلدان ما زالت منقسمة وبشكل عميق، حول كيفية وتوقيت هذا الدعم. ومن هي القوى العسكرية التي ستقوم بالدعم. خصوصا وان روسيا والصين ما زالتا تعارضان اي قرار اممي بهذا الشأن.
تصر الادارة الاميريكية ان استراتيجيتها بالنسبة الى سوريا تركز على مد المدنيين بالمعونات الانسانية وتنظيم المعارضة السورية. غير ان الآمال تتضائل بشأن توحيد المعارضة السورية على الارض، بشكل يساعد على اضفاء اسباب شرعية يؤمن اعترافا دوليا بهذه المعارضة، كما حصل مع المعارضة الليبية. وبطبيعة الحال فإن الرئيس الاسد لا يظهر اي نية بالرضوخ او التنازل السياسي لمعارضيه.
بل ما زال الرئيس السوري يصر على ان الانتفاضة الحاصلة في سوريا هي من اعمال عناصر خارجية متطرفة. وهو يصر ايضا انه لا يمكن ان ينجح اي حوار في سوريا طالما ان هناك "منظمات ارهابية" حسب قوله، تنتشر على الاراضي السورية وتعيث فسادا فيها. وفق ما روته وكالة سانا عن الرئيس الاسد بعد اجتماعه بكوفي عنان.
وبعد اجتماع له في الجامعة العربية بالقاهرة، قال وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف ان روسيا لا تدعم النظام في سوريا، انما تحمي القانون الدولي، وبالتالي فإن روسيا لا تتطلع الى اي ثمن جغرافي في المنطقة، كما يتطلع باقي الفرقاء الذين يدفعون الى تدخل عسكري في سوريا، والذي تقف روسيا بوجهه بكل حزم.
رئيس وزراء قطر يقول ان صبر قطر وصبر العالم قد نفذ. والوزير السعودي سعود الفيصل يقول ان السعودية ضد اي حل فارغ واي موقف واهي بشأن الازمة السورية.
كل هذه القوى الخارجية الموالية والمعارضة للحل العسكري، والموالية والمعارضة للنظام السوري، تتفق على امر واحد اوحد، وهو ان الازمة في سوريا تشكل تهديدا جديا وخطيرا للاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، وايضا الاستقرار العالمي. وإن لم يتوقف النزف وقتل المدنيين في اسرع وقت ممكن، وإن لم يتفق الاطراف على حل ما من اجل انتقال سلمي للسلطة في سوريا، سيبقى هذا الخطر قائما ويتزايد يوميا وبشكل متسارع الى ان يصل الى حد الانفجار الكبير.
ويرجع المحللون اسباب هذا الاعتقاد، الى ان طول الازمة سيزيد الشرخ الطائفي والعرقي في سوريا. وسيكون له امتداد مؤثر على البلدان المجاورة مثل لبنان والعراق، ويمتد لاحقا الى باقي دول المنطقة، ليتسبب على مدى ليس بعيد بتنظيم حملات عسكرية غربية وشرقية لحماية الطوائف والاعراق في المنطقة.
هذا في الوقائع على الارض.
انما لماذا يجري ما يجري الآن وما هو السبب والمسبب.
من المؤسف ان زمام امورنا بعد سقوط الدولة العثمانية، بات في ايدي الغرب وان عارض هذا القول كثيرون. لكنه حقيقة بدليل ان كل ما يحدث في اي بلد من بلادنا العربية، لا يحدث الا باشارة او امر او قرار يأتي من الغرب، مباشرة او بطريقة غير مباشرة.
ومن المؤسف ان من يمسكون بزمام امورنا في الخارج، يعانون من نقص او عدم ادراك بشؤوننا، او ان شؤووننا لا تهمهم، فالنتيجة واحدة. لأنهم يبحثون عن مصالحهم ويمعنون بقض مصالحنا، وطيها وازالتها مع عامل الزمن.
ولكي يزيد في الطين بلة، فقد ثبت ان الادارات الاوروبية والاميركية، فشلت حتى بتدبير شؤونها، الداخلية، ما عرّض اوروبا واميركا الى شبه افلاس والى تخبط سياسي اقتصادي لا مثيل له. وهذا ما يبرر الهجمة القوية التي يهجمها الغرب على بلادنا لقلب الانظمة، وتغيير الاستراتيجية القديمة وتبديلها باستراتيجية تتناسب مع واقع الاقتصاد العالمي الراهن، ومع واقع التغيير الطائفي العقائدي على الارض.
لا شك ان منظمة القاعدة ساهمت الى حد كبير، بجعل الدول الغربية تفكر بتقوية المنظمات الاسلامية المعتدلة، للوقوف بوجه القاعدة وايضا بوجه القوة الشيعية السياسية في ايران والتي تتنامى قدراتها ليس فقط عسكريا بل ايضا علميا وتكنولوجيا.
وكما مارس الغرب غباءه في السابق بالتعامل معنا، فهم الآن يمارسون نفس الغباء. جل همهم التغيير لتأمين ظهرهم الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة.
اقتصاديا لانهم في حالة افلاس تقريبا. واستراتيجيا لان الصين وروسيا باتا يشكلان خطرا حقيقيا على الهيمنة الغربية في العالم. وتتقدمان بخطى ثابتة لاحتلال مراكز مهمة في العالم وتعيد ميزان القوى بعد ان كادت كفة هذا الميزان "تطبش" من ثقل اوروبا واميركا.
شخصيا اعتقد ان اطالة الازمة في سوريا تظل في صالح اوروبا والغرب، لانه كلما طالت الازمة كلما ضعف النظام. هذا اولا.
وكلما بقيت المعارضة غير موحدة، كلما كان الوضع على الارض يهيء مستقبلا، لفرز طائفي وعرقي يسهل على الغرب التدخل لاحقا لفرض الحل الذي يناسبهم.
أما الصين وروسيا، فإن قوتهما تبقى منحصرة في مجلس الامن. وهما في الحقيقة لا يقدمان اي خدمات للنظام السوري الا اعلاميا وداخل اروقة الامم المتحدة.
وهذا لسببين: الاول ان التركيبة السياسية في كل من البلدين لا تسمح لهما بالتدخل خارجيا بشكل مباشر. والسبب الثاني ان لكل من الصين حسابات خاصة لا تتعدى حاليا المشاركة في الجبنة بدل اخذ قطعة جبنة بالقوة.
ونبقى نحن عالقين بين غباء الغرب وبلادة الشرق.
وتتكرس فينا الغباوة والبلادة بآن معا.
لن نتحدث عن ولاة امورنا، لان هذا لا ينفع، ونحن نراهم يلهثون لايجاد حلول خارج اراضيهم لاراضيهم، مع ان الحل المنطقي موجود داخل الارض ومع الشعب.
والشعب يتخبط فقرا وجهلا ويأسا وقرفا.
وينقسم طوائف واعراق ومذاهب.
وكل يغني على ليلاه. وكل فريق يرى انه الحل الصائب.
نعود للأسف والبكاء... فقد سلّط الله علينا من هم أغبى منّا....
سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات