16‏/02‏/2012

إعادة كتابة تاريخ المنطقة بأقلام مختلفة


يكاد يكون ما يحصل اليوم من احداث في منطقة الشرق الاوسط، تهيئة لتقسيم المنطقة اداريا وجغرافيا، تماما كما حصل بعد الحربين الاولى والثانية. ولكن هذه المرة بوسائل مختلفة، وادارة مختلفة وتشابك دولي مختلف. وإن كان الهدف واحدا، وهو تقسيم المنطقة الى مربعات، يشرف على كل مربع ادارة وارادة دولية مختلفة، الا أن الادارات والارادات متفقة...علينا.
لتفسير وتبسيط هذا الكلام، لنقم بجولة سريعة على ما جرى في منطقتنا قبل واثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، لنرى كيف يجري تقاسمنا اليوم على نفس المنوال.

أدّى سقوط الامبراطورة العثمانية، الى خلْق ما يسمّى بشرق أوسط جديد. بيد أن خلق هذا الشرق الاوسط الجديد يومذاك سرعان ما خلق صراعات جديدة وكبيرة في المنطقة.
منحت عصبة الامم تفويضات من الدرجة الاولى الى فرنسا وبريطانيا. فكان التفويض الفرنسي لرعاية سوريا ولبنان والتفويض البريطاني لرعاية بلاد ما بين النهرين والاردن وفلسطين.
أمّا البلدان التي كانت جزءا من الامبراطورة العثمانية في شبه الجزيرة العربية فأصبحت ما يعرف اليوم باليمن والمملكة العربية السعودية.
وبمجرّد أن استلمت تلك الادارات الانتدابية مهامها، حتى اندلعت حروب مخابراتية خفية بين بعضها البعض، وتأججت برفض الشعوب للانتداب. ولكن سرعان ما تحوّلت الاحتجاجات الشعبية الى معارك طائفية بين الشعب الواحد. وهذا تماما ما يحصل اليوم ولا نستطيع انكاره او تمويهه او تجميله.
ثم وسط كل ذلك الصخب، استطاعت عصبة الامم ان تمرر بعد مشروع الانتداب، مشروع الغاء دولة فلسطين واقامة دولة اسرائيل. وسرعان ما وهب المستعمرون استقلال البلاد التي استعمروها، في محاولة للتخفيف من غلواء الشعوب، والسيطرة على ردود الفعل لكي لا تعرقل ولادة المولود الجديد في قلب الامة العربية.
ورحل الاستعمار عن البلاد، ولكن ترك فيها انظمة تعمل تحت اشرافهم وسيطرتهم.

كل الانظمة التي توالت على حكم البلاد العربية، عمدت الى تطبيع حكمها واطالة امده، اكبر مدة ممكنة. ولكن الصراع المخابراتي بين الدول التي كانت مستعمرة لم ينتهي. ووصل اوجه عندما بدأت الانقلابات السياسية والعسكرية تتوالى، وتهوى رؤوس وتقوم رؤوس الى ان جاءت ثورة عبد الناصر في مصر ونادت بالقومية العربية، واستطاعت تأميم قنال السويس ودحر عدوان ثلاثي من اجلها، شنته على مصر ثلاثة دول: بريطانيا وفرنسا واسرائيل.. المولود الجديد في قلب الامة العربية!
واليوم مصر هي في قلب المعركة. وربما يصح القول انها قلب المعركة وقالبها. فإذا سلمت مصر سلمت الامة العربية كلها.
وسوريا هي جوارح الامة العربية، واذا لم تسلم سوريا، تقطعت اوصال الامة العربية كلها.

الاشتباك الحاصل اليوم في البلاد العربية، ليس بشان الانظمة الحاكمة، انما بشأن استراتيجية انظمة جديدة للمنطقة، بعد ان تغيرت قواعد اللعبة بسقوط الاتحاد السوفياتي. وبعد ان فشلت الولايات المتحدة بالسيطرة الكاملة على الشرق الاوسط بعد احتلالها العراق. وبعد عدة حروب شنتها اسرائيل على مصر والاردن وسوريا وغزة ولبنان.
وربما ايضا بسبب فشل الولايات المتحدة، بفرض خطة السلام على الفلسطينيين.

وللتذكير، فإن الولايات المتحدة هي اللاعب الدولي الوحيد الجديد الذي يلعب في المنطقة، لان اوروبا بما فيها المانيا، وروسيا هم من اللاعبين الاساسيين في المنطقة في الحربين الاولى والثانية. ونستطيع القول ان الصين لاعب متجدد، لانها كفّت ووفّت ايام الفترة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ.

أما اقليميا، فنرى ان تركيا وايران برزا كلاعبين قويين كل لاعب منهما يدعم فريقا دوليا معينا.
وللتذكير ايضا، فإن الولايات المتحدة لم تشارك عسكريا في صراعات الشرق الاوسط، واكتفت بالتفرج على اوروبا وهي تفلس بسبب ضخامة كلفة الحرب، والمساهمة باعطائها ديون لانعاشها. بيد ان تلك المساعدات المالية الى اوروبا، لها كلفة سياسية اكبر من الكلفة المادية. فلم تتوانى اوروبا عن الموافقة على دخول اميركا الى المنطقة. اولا الى الخليج العربي وايران، حيث استطاعت هناك احتكار الكمية الاكبر من النفط الخليجي لصالح مشترياتها. كما ساهمت اميركا بمساعدة بلاد الخليج بما فيها ايران، على تطوير قدراتها العسكرية والانمائية، وظهرت بمظهر العراب الذي ساعد في منح الاستقلال لتلك البلدان من الاستعمار الاوروبي.

نعود الى فترة ما قبل الحرب الثانية. فبعد ان أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، استطاع الالمان ان يخرقوا خط "ماجينو" ويدفعوا القوات الفرنسية الى الداخل. أسرع الحلفاء بعد سقوط فرنسا الى ايجاد طريقة لمنع دولة فيشي للسيطرة على التفويض الفرنسي في سوريا ولبنان.

 كان للحلفاء اربعة خطط للهجوم على جيوش المحور: الهجوم على دمشق من فلسطين، الهجوم على بيروت من فلسطين، الهجوم على شمال سوريا من العراق، الهجوم على بالميرا في قلب سوريا وعلى طرابلس لبنان من العراق.
ما أشبه اليوم بالامس....... خطوط مواجهات..تتأهب

عام 1940 غدت منطقة الشرق الأوسط و حوض البحر المتوسط الساحة الرئيسية للحرب، و استمر ذلك حتى دخول الجيش الثامن التابع لدول الكومنولث إلى تونس بعد عبورها أراضي ليبيا.
في تلك الأثناء كان هنالك صراعات دائرة بين قوات فرنسا فيشي وبين سكان سوريا و لبنان و صراع في العراق عرف باسم الحرب الأنجلو عراقية (ثورة رشيد عالي الكيلاني).
وكأننا اليوم نشهد نفس الصراعات ولكن بلبوس مختلف وادوار مختلفة.

كانت بريطانية حريصة على كسب ود العرب في مصر و بلاد الشام و لم ترد لهم التعاون مع قوات المحور، و كانت تعلم أن قضية هجرة اليهود إلى فلسطين و الظلم الذي أظهرته في إدارتها للدول المنتدبة سيجعل من مهمتها في استرضاء العرب أصعب، لذلك حاولت إظهار حسن النية و كسب الدعم.
وما زال كسب الود مستمرا مع كل الاطراف، ولكن على حساب كل الاطراف ولحساب دولة اسرائيل.
فمنذ ذلك الوقت الى اليوم، لم ينمو أي شيء في المنطقة سوى دولة اسرائيل!

بعد استقلال كلا من سوريا والعراق أصبح الآشوريين والكلدان والسريان إحدى الأقليات الدينية الهامة فيهما. وبالرغم من عدم الاعتراف بالوجود القومي بالآشوريين والسريان ومحاولة فرض القومية العربية عليهم إلا أنهم غالبا ما تمتعوا بحقوق دينية واسعة في ظل حكومتي صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سوريا.

أدت الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية إلى تسارع وتيرة هجرة المسيحيين من العراق كما أدت حرب العراق سنة 2003 وما تبعه من انفلات أمني وهجمات استهدفت دور عبادة مسيحية إلى تناقص أعداد الآشوريين والكلدان بشكل كبير حيث نزح معظمهم إلى سوريا بالإضافة إلى دول أخرى.
فهل نشهد اليوم تتمة لذلك السيناريو القديم؟

كان الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لمصالح وطنية، والمعروفة باسم الحرب الباردة، جاء في الهيمنة على الساحة الدولية في فترة ما بعد الحرب.
واليوم يعيد التاريخ نفسه في هذه الحرب الباردة، وان كان بأقل وتيرة، بسبب التحاور المباشر والمصالح بين روسيا واميركا على شكل أخص.

كانت الحروب العربية الإسرائيلية مجالا للصراع بين الأسلحة السوفياتية والامريكية الصنع. ويبدو ان المنافسة نفسها لبيع الاسلحة ما زالت مستمرة بيت الغرب وروسيا. ودخلت الصين وايران في هذا السوق، مما زاد الازمة تعقيدا. ليس فقط بالنسبة الى المنطقة بل ايضا بالنسبة الى اللاعبين... لانه كلما كثر اللاعبون قلت الحصص... وكلما قلت الحصص بدأت المفاوضات وراء كواليس اروقة عصبة الامم، لتقاسم ما يمكن تقاسمه...
وكالعادة وسط الدبلوماسية المخادعة التي تفضي بالنتيجة الى اراقة دمائنا.

دول المنطقة الرئيسية الضعيفة اليوم في المنطقة هي الدول التي تجري على اراضيها ما يسمى بالربيع العربي. وهذه الدول هي: اليمن وليبيا وتونس ومصر وسوريا والعراق. ويلحق لبنان وقطاع غزة والضقة الغربية بهذه الدول بطبيعة الحال لحدة الانقسام السياسي فيها.
أما ايران وتركيا، فيعتبران من الدول الاقليمية المؤثرة، وتتبع كل منهما الى فريق دولي.
ايران تتبع الصين وروسيا. وتركيا تتبع الغرب.

إن تعنّت سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران وبالعكس، وتأجيج اسرائيل من خلال حربها المخابراتية على ايران، وآخرها اتهام ايران بتطوير صاروخ يبلغ مداه كافة المدن الاميريكية،  يُبقي احتمالات ضربة عسكرية موجّهة الى ايران عالية نسبيا.
وإن كانت حسابات النتائج بتسبب حرب شاملة في الخليج العربي الفارسي تخفف من وقوع مثل هذه ضربة الا انهاا لا تنفيها، لسببين: الاول ان ايران باتت محاصرة بشكل شبه كامل اقتصاديا، وثانيا لأن من مصلحة اسرائيل اضعاف ايران.
ورغم أن لكل من ايران واسرائيل اسبابا مختلفة لنزاع عسكري فإن الهدف يبدو واحدا وهو تغيير جذري لموازين القوى في منطقة الشرق الاوسط.

فمن سيطلق الرصاصة الاولى في المنطقة؟
وعلى ماذا ستسفر نتائج المعارك العسكرية؟
وكيف ستتغير ديموغرافية الوطن؟
وأين ستذهب الاقليات؟
وكيف ستكون الخريطة السنية الشيعية الجديدة في المنطقة؟
وكيف سيقتسم اللاعبون الكبار خيراتنا؟
وكيف سيعاد تقسيم الخريطة الفلسطينية الاسرائيلية في غزة والضفة الغربية والاردن؟

كل الدلائل تشير ان شيئا ما يستوي على نار خفيفة ولكن تحمو شيئا فشيئا كل يوم.
فهل سيتفق الكبار على تسوية دون حرب؟
أم هل سيتفق الصغار على حرب لفرض تسوية مناسبة لهم؟

سنعرف قريبا.

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات