16‏/05‏/2011

حراك الشعوب العربية وقضية فلسطين


منذ فك الاشتباك بين سوريا واسرائيل في هضبة الجولان عام 1974، لم يحصل أي خرق أمني هناك، ونعمت تلك الجبهة بهدوء ملحوظ، ربما شجّع كل من اسرائيل وسوريا على عدم اقامة اجراءات امنية جدّية ومنها زراعة الالغام على الحدود، التي تعد من ابسط الاجراءات العسكرية التي تمنع اي خرق ارضي قد يحصل من الجهة "المعادية"، كالحاصل مثلا على الحدود الجنوبية اللبنانية مع شمال فلسطين المحتلة.
لذلك يبدو ان الشباب الذين "اقتحموا" الحدود الاسرائيلية عند جبهة الجولان، عرفوا مسبقا خلوّ الارض من اية الغام قد تنفجر بهم اذا ما تخطّوا السياج الشائكة وربما ان سبب وجود الغام كثيفة هو الذي منع الشباب الفلسطيني من "اقتحام" الحاجز الفاصل على الحدود بين بلدة "مارون الراس" اللبنانية وبين فلسطين المحتلة. والسؤال يطرح نفسه: لماذا زرع الجيش الاسرائيلي الالغام هنا ولم يزرعها هناك؟
يجوز ان "روتين" الهدوء الامني على هضبة الجولان طمأن الجيش الاسرائيلي، الذي تفاجأ بأن هذا الروتين قد يتغيّر بمتغيّرات السياسة الدولية والاقليمية.
فما هي النتائج السياسية التي ستسفر عن هذا الحراك العربي الفلسطيني في ذكرى نكبة فلسطين ضد اسرائيل؟
عندما صرخ نتانياهو ان هذه "الهجمة" تستهدف وجود اسرائيل وليس فقط المطالبة باسترجاع المناطق المحتلة، كان كلامه صحيحا لأنه يستشعر فعلا مثله مثل اي اسرائيلي بأن اسرائيل اقترفت الذنب الاكبر بالغاء وجود الدولة الفلسطينية وسلبها واغتصابها والحلول محلّها على الخريطة العالمية.
وأمّا على الصعيد العربي، قد يكون هذا المشهد الذي تكرر باقتحام "سلمي" للاراضي المحتلة، في كل من لبنان وسوريا وغزة والمحاولات التي جرت من قبل الشباب الحر على المعابر الفاصلة بين كل من مصر والاردن مع فلسطين المحتلة، هو تكملة للمشهد الجماهيري الذي انتفض "سلميا" على انظمته في محاولة مرّة لتغيير شامل للسياسات العربية الداخلية.
ويبدو ان الشباب العربي قد ملّ سياسات المراوحة الاقليمية والدولية في التعامل مع القضية الاساسية في الشرق الاوسط وهي قضية ازالة فلسطين واقامة اسرائيل.
والسياسات التي اتبعتها الانظمة العربية منذ نكبة فلسطين، ادّت الى تثبيت وتقوية اسرائيل، على حساب الشعب الفلسطيني المشرّد خاصة والشعوب العربية التي قمعتها انظمتها فالتهت بمآسيها ونسيت المأساة الكبرى التي حصلت في فلسطين.
ولعل هذه الصحوة التي فاجأت الجميع، هي رسالة الى جميع الدول الاقليمية والغربية والشرقية على السواء بأن الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية التي وجدت حديثا رداء الحرية، لا يعتمدون على انظمة شلت قدراتهم خلال السنوات المنصرمة، ولا على دول كبرى يوهمونهم بالبحث عن حلول غير موجودة من خلال مفاوضات عقيمة يعرفون مسبقا انها لا تؤدي الاّ الى نتيجة واحدة وهي تقوية اسرائيل والحفاظ على امنها.
لم يستطع اي نظام من الانظمة العربية منع الحراك الفلسطيني بالامس، فلم ينتظر الشباب الحر القاء الكلمات التي كانت مقررة من "مسؤولين" ولم يهتمّوا اصلا لسماعها.  وربما وجدت تلك الانظمة في هذا الحراك وسيلة لتمرير رسائل من خلاله تقوّي وضعها المهتريء داخليا وخارجيا، فاعتمدت سياسة دعم هذا الحراك من خلال عدم منعه، لتكسب بذلك عطفا داخليا وحذرا خارجيا.
لقد شعر الاسرائيليون بالخوف وقرئوا هذا الحراك الشعبي العربي الفلسطيني جيدا، بينما باقي الدول العربية لم يقرئوا فيه غير ما يمكنهم الاستفادة منه بتثبيت وضعهم الداخلي.
وهذا بالطبع نتيجة للسياسات المتراكمة التي اتبعتها الدول العربية والتي ادّت الى الاقتناع بأنه من غير المجدي محاربة الكيان الاسرائيلي، والاكتفاء بمكاسب من خلال صراع سياسي ضد اسرائيل، يستطيعون بواسطته تقوية انظمتهم في الداخل واطالة امد حياتها.
ما لم يكن بالحسبان ان تنتفض الشعوب على تلك السياسات تحت شعارالحرية.
والحرية في المنطقة العربية هي حالة شاملة تضم معها حرية الشعب الفلسطيني الذي هو دائما الرقم الصعب في كل المعادلات. لأنه ذنب جميع الامم على السواء في لعبة الامم.
بدأ الشعب الفلسطيني انتفاضة ضد قادته الفلسطينيين خاصة من فتح وحماس واجبرهم على المصالحة، والتوقف عن التلهي بصراعات داخلية لا تفيد الا اسرائيل.
هذا في داخل غزة والضفة الغربية.
وانتفض الشعب الفلسطيني من "مخيّماته" في لبنان وسوريا والاردن ومصر، وزحف لاختراق الحدود مع الكيان المغتصب، ليخبر بذلك كل القادة العرب دون استثناء بأنه بغنى عن خدماتهم وهو يريد أخذ حقّه بيده "سلميا". وهذه هي الرسالة التي فهمها الكيان الصهيوني فهما جيدا وخاف منها خوفا شديدا.
فكيف سترد اسرائيل على هذا الحراك الغير متوقّع؟
من خلال التجارب المتكررة، لا يستطيع احد ان يتوقع كيف ستتعامل اسرائيل مع حراك من هذا النوع، الا ان السياسة الاسرائيلية مبنية اساسا على استيعاب الامور، والرد بشكل مباشر او غير مباشر بواسطة عمل عسكري ما، او اجراءات تعسفية بحق الفلسطينيين.
لكن المراقب لا يستطيع الا ان يلاحظ حالة عامة من الخوف او اقله من القلق ينتاب الكيان الاسرائيلي ولأول مرّة خصوصا بعد ما شهدته الدول العربية من انتفاضات شعبية، والتي لا بدّ من أن تؤثّر سلبيا على السياسة العامة التي اتبعتها اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط منذ استحداثها عام 1948.
فقد باتت الانظمة العربية التي حمت اسرائيل بشكل مباشر او غير مباشر مهددة بالانقراض، والانظمة التي ستحل محلها مجهولة الهوية الى الآن.
وحالة القلق هذه تشمل ايضا الدول الغربية المعنية بأمن اسرائيل وخاصة الولايات المتحدة الاميركية، التي لا تتعب ادارتها من محاولات استيعاب الانتفاضات الجارية في المنطقة العربية، لتجييرها وفق ارادة السياسة الاميركية في المنطقة والتي تقوم اصلا على حماية امن اسرائيل.
وصل الامر مع الولايات المتحدة الى حد التفاهم مع الاخوان المسلمين في مصر وسوريا، حول السياسة المستقبلية في كل من البلدين اذا ما نجحت الانتفاضة فيهما، وطبعا لا يمكن تجاهل الدور التركي الذي ساهم في ايجاد نقاط تفاهم بين اميركا والتيارين الاسلاميين المتشددين.
استمرار سياسة الغرب نفسها في المنطقة العربية القائمة على تقوية فريق ضد فريق آخر، مهددة بالفشل هذه المرة لأن الشعوب أصبحت هي الرقم الاصعب في المعادلات بعد ان كانت رقما لا يساوي اي شيء بالمعايير السياسية.
وليس متوقعا ان تؤدي محاولات افتعال ازمات طائفية وعرقية هنا وهناك الى اية نتيجة لأنها تفتقر الى ارضية مناسبة كالارضية التي كانت وما زالت في لبنان والعراق والتي خلقت حالات عدم استقرار امني وسياسي ادت بالنتيجة الى حكومات مبتورة او مشلولة.
غير ان الاصرار على خلق الفوضى الطائفية والعرقية في البلاد العربية، يقلق لأنها اذا ما نجحت وانتشرت ستؤدي حتما الى تفكيك المنطقة جغرافيا وديموغرافيا.
فهل هذا ما تطمح له دول الغرب؟
وهل لهذا أطلق نتنياهو صرخته بالامس خائفا من ازالة اسرائيل؟
واذا كان الحراك الشعبي الفلسطيني بالامس كان محطة مفاجئة في تطوّر الاحداث في المنطقة العربية، فما هي المحطة الثانية ومتى؟
سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات