25‏/06‏/2011

نصر الله مقتنع أنّه "بيظبّطها"!


لم أعرف الى الآن مسؤولا في بلادنا العربية، يطلّ اطلالات إعلامية متوالية في فترات زمنية متقاربة، كما يطلّ أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ليلقي خطابات متنوّعة بمناسبات مختلفة وأحيانا يختلق هو المناسبة ليلقي خطابه.

لا شكّ ان تسارع الاحداث في لبنان والدول العربية، وتضارب الاخبار وانتشار الاشاعات والقلق العنيف الذي يخيّم على حزب الله كما يخيّم على باقي الاطراف كلّهم، من الأسباب المهمّة التي تجعل السيد حسن نصر الله يكثّف من إطلالاته الإعلامية.

وأحيانا أفكّر مع نفسي، كيف يصل السيّد حسن الى قرار الظهور على شاشات التلفزة ليلقي خطابا؟ فأتخيّل أن إدارته السياسية تقف عاجزة أمام كمّ الاحداث والتقارير الاخبارية، وترى أن الحزب بات مستهدفا بشكل لا ينفع التعامل مع كل ذلك، الا بواسطة خطاب مباشر من السيد حسن ليعيد وضع الامور في نصابها الصحيح. فأتخيّلهم يقولون له "ما حدا بيظبّطها غيرك". فيهجم السيد حسن هجمته الاعلامية وهو مقتنع تماما أنه "ما بيظبّطها غيره"!

وأكاد أقتنع أنّ خيالي يلامس شيئا من الواقع، لأنني لا أستطيع أن أجد سببا آخر لتكثيف زعيم حزب الله من خطاباته وطلاّته الاعلامية.

وأظن أن السبب الرئيس الذي جعل السيد حسن يطلّ بخطابه الاخير، هو تناقل التقارير الاعلامية قصّة عناصر من حزب الله تم اكتشاف عمالتهم لاسرائيل، وراحت تلك التقارير تتوّسع بذكر معلومات مختلفة عن هوية المتعاملين وعددهم ونوعية وكيفية تعاملهم والى ما هنالك من تحليلات واستنتاجات تضيف الدسم الى المادة الاعلامية في تعاطيها مع خبر من هذا النوع.

وطبعا لا بد للسيد حسن ان يتطرّق الى موضوع الحكومة اللبنانية وتشكيلتها ويؤكّد انها صنعت في لبنان، وحزب الله جزء منها له أقل عدد من الوزراء!

ثم لا ينسى أن يذكر المناورات الاسرائيلية الجارية ويشرح نظريته بها، وأن يلاحظ أن اسرائيل لا تعتبر في الضفة الغربية عدّوا تجب الحيطة منه، فمثل الضفة الغربية كسائر الدول العربية والاسلامية، لا تريد محاربة اسرائيل ولا تشكّل خطرا عليها، بينما اسرائيل تخشى حزب الله وسوريا وايران وحركة حماس في غزة!
ثم يتحدّث عن الوضع العربي ليدعم النظام السوري ويدحض النظام في البحرين.

على كل حال، يبدو أن خطابات السيد نصر الله (وخصوصا خطابه الأخير) متوجّهة بالدرجة الاولى لتطمين شارعه وحلفائه خصوصا بعد القبض على عناصر من البيئة التنظيمية في حزب الله (حسب وصفه) بتهمة التعامل مع اسرائيل، وبيّن أن نوع التعامل لا يشكّل أي خطر أو تهديد أمني للحزب. وهذا شأن لا يختلف عليه اثنين، فالجماعة المتهمين هم جماعة الحزب وله الخيار في التعامل معهم. بيد أن الخلاف هو أنه طالما هذا الحزب هو حزب لبناني، وأنّ جريمة التعامل مع اسرائيل هي جريمة تهدّد أمن لبنان بنفس القوة التي تهدّد بها أمن حزب الله وربما أكثر، وجب على حزب الله احالة هذه القضية بجملتها الى السلطات الامنية، أو على الاقل التنسيق معها طالما أن هنالك متعاملين مع اسرائيل يكشفهم الامن اللبناني شهريا إن لم يكن اسبوعيا. يجوز أن الخوض في تفاصيل أمنية عن المقاومة يمنع الحزب من اشراك السلطات اللبنانية في التحقيقات، وفي نفس الوقت يثبت مدى بعد هذه المقاومة عن الدولة. 
لكن اتهام السيد حسن للسفارة الاميركية انها تجنّد المتعاملين، حافز أكبر على أن تتولى السلطات الامنية التحقيقات في تلك الاتهامات. ومن المستغرب أن لا يطلب زعيم حزب الله هذا الامر من الدولة اللبنانية!
وهذا يبقي القضية كلها في دائرة الجدل والاخذ والرد ويكون السيد لم "يظبّطها" في هذه النقطة.

الامر الآخر هو أن السيد حسن نصر الله تحدّث عن قمع المتظاهرين السلميين والعزّل في البحرين وقتلهم من قبل سلطات البحرين وجرّهم الى السجون، ولم يشر الى قمع الاجهزة السورية للتظاهرات السلمية في المدن السورية وعن القتلى والجرحى والمهجّرين من الشعب السوري وكأن الامر لا يعنيه!
أمّا اذا كان يقصد أن هنالك معارضة غير سلمية ومسلحة في سوريا فوجب عليه كشفها وتسميتها حتى لا يضع نفسه موضع المتحيّز الغير عادل، (خصوصا وأنه متّهم مع حزبه بالمشاركة في قمع تلك التظاهرات) ويلقى بعد ذلك انتقادات عنيفة خصوصا من المعارضة السورية (وهي جزء من الشعب السوري) مثل التي انطلقت فورا بعد انتهاء خطابه الاخير.
وبهذا يكون السيد لم "يظبّطها" أيضا في هذه النقطة.

أمّا في السياسة الداخلية، فإن السيّد حسن بدل أن ينأى بنفسه وبالمقاومة اللبنانية عن تفاعلات هذه السياسة، يقع كما في كل مرّة في مستنقع السياسة اللبنانية ويجلب لنفسه وللحزب وللمقاومة، كلاما نقديا لاذعا، في أدنى نتائجه يضعف المقاومة ويضعف الحكومة الجديدة.
ينسى السيد حسن دائما أن نصف الجمهور اللبناني على الاقل، وأكثر من نصف الجمهور العربي والاسلامي يعارضون حزب الله خصوصا بعد اقتحامه السياسة اللبنانية والسيطرة على ساحتها، لانهم يتّهمونه بالموالاة لايران والعمل على فرض نظامها الديني السياسي في لبنان.

ألم يكن من الافضل لحزب الله والسيد حسن نصرالله كسب الساحة اللبنانية بأسرها اضافة الى الساحات العربية والاسلامية لو بقيت المقاومة في سرمدها العالي المترفّع عن كل المهاترات السياسية وقذارات الجدل السياسي الجارية في لبنان والدول العربية؟

ألم يكن أفضل للمقاومة أن تستعد للحرب مع اسرائيل وهي في مأمن أن ظهرها محمي من كل لبنان ومن كل الدول العربية؟

لماذا هذا الامعان في زج المقاومة في السياسة، ووضعها في جانب غير مريح مع جزء كبير في الوطن العربي؟

لماذا هذا الاصرار المتكرر للسيد حسن نصرالله على ذكر مؤامرة التحريض الديني والمذهبي في كل خطاباته، بما يعني اتّهام الآخرين بهذا التحريض والذي يعني ايضا وقوع امكانية حصول هذا "الصراع المذهبي" في أي وقت، ولكن يكون السيد حسن قد حذّر منه تكرار!

من المنطق القول أنه طالما المقاومة اللبنانية لم تنه أعمال المقاومة بعد، وهي مستمرة لحين تحرير ما تبقّى من اراض لبنانية محتلة، وطالما أن حزب الله هو الادارة المدنية والعسكرية لهذه المقاومة، وبما أن سلاح المقاومة هو بإدارة حزب الله، وبما أن أطرافا لبنانية تخشى هذا السلاح أن يستعمله حزب الله في الداخل لفرض واقع سياسي معيّن كما ظهر أخيرا في اسقاط حكومة وتشكيل حكومة، وحتى يستطيع حزب الله استرداد ثقة اللبنانيين جميعهم، لا بد ان يجري الحزب كما اقترح السيد حسن نصرالله منذ فترة، صلحا سياسيا حقيقيا مع كافة الاطراف اللبنانية، ويلتفت الى مجابهة اسرائيل بالتكافل والتضامن مع الجيش اللبناني، حتى تصبح معادلة الشعب والجيش والمقاومة معادلة واقعية من صميم أمن الدولة اللبنانية (وليست فقط معادلة لفرض شرعية لبنانية لسلاح حزب الله)، وحتى لا يضطر أمين عام حزب الله في كل مرّة أن يطلق خطابا لشرح المتغيّرات التي تجري على الساحة.

وغير ذلك عبثا يحاول السيد حسن نصرالله "تظبيطها".

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات