18‏/12‏/2011

الربيع العربي فيلم أجنبي طويل


للأسف....
بعد انتهاء عصبة الامم عام 1948 من ازالة فلسطين وتنصيب اسرائيل كيانا يهوديا في ارضنا العربية، وبعد أن أعطت تلك العصبة قبل ذلك الحق والسلطة للدول التي كانت تستعمر بلادنا لادارة شؤوننا، وأكل خيراتنا، والاستيلاء على ممتكلاتنا...وفرض حكّامنا. وعندنا يحلو لهم يعلنون انتهاء فعالية خدمتهم وأوان رحيلهم، ثم نرى هبّة الشوارع العربية فجأة تنادي بالرحيل والتغيير... أو هكذا يُخُيّل لنا.

للأسف...
فالواقع يشير الى أننا كشعوب، ما زلنا نعاني من مرض عدم النضوج، وهذا ليس ذنبنا، بل ذنب من استعمرنا وحكمنا من قبل، وأنشأنا كجيل جديد على الفقر والحاجة والمذلّة اليومية، وغرس فينا عدم الاطمئنان، ووضع في كتبنا تاريخ غيرنا قبل تاريخنا، وحرّضنا على قبول ثقافة الآخرين قبل ثقافتنا، واحترام حضارة من استعمرنا قبل احترام تراثنا وحضاراتنا.

للأسف....
المشهد العربيّ الآن واقعٌ مرٌّ.
فكلّ الدول العربية وإن بنسب متفاوتة، تعاني من حالات القلق الى حالات عدم الاستقرار وصولا الى القتل والخراب والدمار.
وكل الدول العربية الواقعة ضمن القوس الشرقي من منطقة ما يسمى بالهلال الخصيب، ترزح تحت وضع مقلق بكل ما لكلمة مقلق من معنى. فهذه الدول تتحرّك شوارعها يومياً رافضة أي شيء وكل شيء...وما يؤلم فعلاً أن هذا الرفض يطال تحرّك الشعوب نفسها، الى درجة التقاتل مع بعضها البعض ومع السُلطات القائمة بالواسطة، والسُلطات التي ما زالت قائمة بالاكراه وأيضا السُلطات الاسمية التي لا تملك شيئا من السلطة.

للأسف.....
عندما غزا الاميركيون العراق، وأعلنوا من خلال ادارة الرئيس الاميركي بوش الابن، انه آن الاوان لقيام شرق اوسط جديد....
بعد ذلك اعتقدنا ان هزيمة اصحاب تلك الفكرة في الانتخابات الرئاسية الاميركية، ومجيء ادارة اميركية جديدة برئاسة رجل يحمل اسماً عربيا اسلاميا، سيلغي تماما تلك الفكرة، وأن ادارة الرئيس ستعمل على وضع الامور في منطقة الشرق بنصابها الطبيعي، وتُرجع الحقوق الى أصحابها، وتعمل على تعميم السلام خصوصا وانها اعلنت انهاء احتلالها للعراق.. وهي تنسحب بالفعل.. فهللنا وفرحنا ورقصنا من الفرحة.... ولكن عدنا وصُدمنا بما يجري من مآسي ترافق هذا الانسحاب الاميركي من العراق.

في العراق بدأت مدن ومحافظات تُعلن استقلالها اداريا وحكومة العراق مُتّهمة بأنها منحازة الى ايران او أميركا أو الاثنين معا، وبغضّ النظر عن صحة أو عدم صحة هذا الاتهام، فالواقع ان الحكومة العراقية عاجزة عن السيطرة على شؤون البلاد وتوحيد الشعب العراقي، بل هي في أحسن أحوالها ساكتة عن ما يجري من مشاكل طائفية ومذهبية وعرقية في طول البلاد وعرضها.

وهذه ثورة مصر ستبلغ عامها الاول قريبا، والدولة ما زالت بلا رئيس، وتعاني من هزّات عنيفة، لعدة اسباب منها بقاء الجيش في حكم البلد، ومنها نجاح احزاب اسلامية في الانتخابات البرلمانية، ومنها عجز الحكومات المعيّنة من المجلس العسكري بادارة شؤون البلاد والعباد، ومنها غير ذلك من الاسباب التي تبقي مصر مشلولة شللا كاملا.

وفي سوريا يستمرّ العنف الدامي بين النظام والمعارضة، وتظلّ أسباب تطوّر هذا العنف غير مفهومة لدى المواطن السوري العادي، الذي وجد نفسه فجأة وبدون أية مقدّمات يعيش ازمة حقيقية تؤثّر على معيشته وحياته ومستقبل عياله. ولا يبدو في الافق ما يشير الى أنّ هذا الوضع الامني في سوريا سينتهي في القريب المنظور.

وبوجود الاحزاب المسلّحة اللبنانية وغير اللبنانية في لبنان وعلى رأسهم حزب الله الذي استطاع أن يلعب دوراً مهماً ومؤثراً في توازن القوة مع اسرائيل، تبقى الحكومة اللبنانية إن كانت أكثرية او أقلية، في شلل متواصل وعاجزة عن اتخاذ اية قرارات تستطيع ان تنتشل المواطن اللبناني من العناء الدائم وتحسّن ولو قليلاً من ظروف حياته ومعيشته في وطنٍ لم يشهد أية راحة أمنية منذ عام 1967. ومعاناة المواطن اللبناني مرجّحة ان تتزايد مع استمرار الاحداث في سوريا، نظرا الى ترابط سوريا ولبنان في ملفات سياسية متشابكة اقليميا ودوليا.

للأسف....
تتشابه الاحداث، وتتقمّص الامم المتحدة شخصية عصبة الامم في القرن المنصرم، وها هي تسعى من جديد الى فرض حالة معينة على بيتنا العربي تستطيع ان تدوم فترة زمنية اخرى تقصر أو تطول وفق المصالح الغربية في دولنا العربية، وتتوقّف على ما اذا سيجدون دمى جديدة تحكمنا وتنفذّ ارادتهم.
وتبقى شوارع بقية الدول العربية براكين خامدة تشتعل او تخبو وفق نجاح الخطط الموضوعة للعراق ومصر وسوريا ولبنان...وأيضا فلسطين والاردن واليمن والسودان.

ولكن هذه المرّة يبقى مسعى الامم المتحدة علينا، بحراك وادارة اميركية وتعاون مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وبالاشتراك مع تركيا ومحاولة روسيا أن تكون ضيف الشرف في هذا الفيلم الاجنبي الطويل والممل والمقيت والجاري تصويره في ربوعنا العربية.

فهل سيرجع عهد الاستعمار بلبوس مختلف؟
للأسف............

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات