05‏/05‏/2012

الحقبة النهائية في ازمة مصر



بعد ثورة 25 يناير وعزل النظام السابق لمصر ورئيسه وكل ما له علاقة او صلة به، بدأت الامور السياسية في هذا البلد تنحو نحو ما يسمى بعملية الغربال.
ومنذ عزل النظام السابق بدأ المجلس العسكري يدير الحركة السياسية في البلاد وفق ما يسمح له الدستور المصري بذلك.
حاول ذلك المجلس تأليف حكومة توافقية فلم يفلح بذلك. لكنه نجح وبشكل كبير في تأمين الانتخابات البرلمانية، والتي استطاع الاسلاميون ان يحصدوا فيها غالبية المقاعد في المجلس النيابي.
غير ان الاسلاميين، لم يستطيعوا ان يصبروا على فوزهم، فطمعوا بتحقيق المزيد، والوصول الى سدة الرئاسة، ففوجئوا بأنهم خسروا جزءا كبيرا من الجماهير التي أمنت وصولهم الى البرلمان.
ولان الانتخابات الرئاسية اصبحت على مرمى حجر، فإن جميع الاحزاب السياسية حملت احجارها وذهبت بغية تعمير سدودا منيعة بوجه بعضها البعض وبوجه المجلس العسكري المصري الذي يحكم مصر فعليا حتى هذه اللحظة، والذي اعلن رسميا بالامس انه سيسلم السلطة بعد الانتخابات الرئاسية.
المفاجأة بعد هذا الاعلان ان جميع الاحزاب والقيادات السياسية تقريبا، شنت هجوما عنيفا على الجيش، بغية الضغط بشدة لتنفيذ عملية الانتقال من السلطة العسكرية الى السلطة المدنية.
خلال هذا كله رأينا ان بعض الفئات لجأت الى ممارسة اعمال تصعيدية لا تؤدي بالنتيجة الا الى خلق فوضى غير منظمة، توصل الى اعمال عنف كما حصل في شوراع العباسية وميدان التحرير في القاهرة مؤخرا.
ورأينا ايضا خلق ازمة سياسية او ديبلوماسية لم تكن متوقعة، ما بين المملكة العربية السعودية وبين مصر، والتي لمّح وزير خارجية السعودية اليوم، ان هذه الازمة ربما اشعلتها فئة هي خارج مصر والسعودية بقصد ايقاع الفتنة.
هذا الكلام الصادر عن رجل ديبلوماسي، بغض النظر عن مدى صحته او عدم صحته، ان يدل على شيء فإنه يدل على ان الازمة في مصر هي ازمة متصلة ايضا بازمات الدول في المنطقة وربما ايضا خارج المنطقة.
لا يصعب على المرء ان يرى صراعا سياسيا شديدا قائما بين روسيا من خلال ايران وسوريا وبين اوروبا والولايات المتحدة من خلال دول الخليج العربي.
ولا يصعب ايضا ملاحظة ان اوراق مهمة فقدتها دول الغرب، في المنطقة عندما احتلت جيوشها العراق، وانسحبت منه مؤخرا، تاركة لايران الحل والربط فيه.
ربما لم ينتبه الاوروبيون والاميركان الى مدى غباوتهم السياسية، في تأليب الاطياف السياسية والدينية في المنطقة على بعضهم البعض وتأجيج الصراعات بينهم.
وربما ايضا لم تنتبه قيادات دول الخليج، الى ان وضع مصالحهم في كفة واحدة لا يمكن الا ان يؤدي الى خراب الديار، وما يحصل من محاولات لاقحام البحرين في صراعات طائفية، الا خير دليل على سياسات خاسرة من اطراف اللعبة جميعهم.
اما دول الغرب فهم يحاولون تصحيح الاخطاء بأخطاء، ويسعون الى العودة للسيطرة على زمام الامور بالقوة، ولكن هذه المرة بشكل غير مباشر بواسطة تسليح الفئات الشعبية التي انتفضت في الربيع العربي.
المشكلة لروسيا انها هي ايضا لم تنتبه الى مطالب الفئات الاخرى من الشعوب، التي فعلا تطالب بالحرية وبالاصلاحات السياسية وتطبيق الديمقراطية، خصوصا في سوريا.
والمشكلة لايران، انها هي ايضا دولة ليست بمنأى عن انتفاضات شعبية في عقر دارها.
ما علاقة كل هذا بما يجري في مصر؟
اكاد اجزم ان العلاقة هي اسرائيل.
لقد اعلنت كل القيادات الحزبية والسياسية في مصر، انها لن تعيد النظر في اتفاقيات كامب دافيد والسلام بين مصر واسرائيل. ويبدو انه كان هناك التزاما من قيادة الاخوان المسلمين في هذا الشأن، للولايات المتحدة الاميركية، التي لم تبد اعتراضا على وصول الاسلاميين الى البرلمان المصري. وكان الاخوان المسلمون قد التزموا ايضا عدم مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية. فيأتي رئيس غير اسلامي او اسلامي في لبوس مدني على اقل تقدير. غير ان قرار الاخوان تقديم مرشحا لهم ليخوض الانتخابات الرئاسية، زعزع ثقة الاطراف الاخرى الاقليمية والدولية، لان هذا يعني انه من الممكن ان لا يلتزم الاسلاميون ما تعهدوا به من قبل بشأن اسرائيل.
هذا الامر يرتبط ارتباطا وثيقا بمسألة الاخوان المسلمين في سوريا. كيف؟
المعادلة كما نراها اليوم، ان ايران مباشرة ومن خلال حزب الله مع النظام السوري بشكل واضح وصريح وقوي، وايضا يرقى ذلك الى دعم سياسي مباشر وربما على الارض. لذلك فإن الانتفاضة الشعبية في سوريا والاخوان في صلب تكوينها، اصبحوا في دائرة العداء مع ايران وحزب الله، الامر الذي يقرّبهم على الاقل من دول الغرب، لان التقرب من اسرائيل ليس واردا في هذه المرحلة.
وربما سارعت ايران الى التقاط الفرصة في مصر، وربما تسرّعت في اقامة حوار مع اخوان مصر، ادى الى ما ادى من تراجع الاخوان عن وعودهم السابقة للغرب، وايضا الى كسر تحالفهم مع القوى الاسلامية الاخرى في مصر، بطريقة او بأخرى.
مصر وسوريا ولبنان على الحدود مع اسرائيل.
كل هذا التخبط السياسي والامني والفوضى القائمة في سوريا ومصر ولبنان يعني ان من يتولى زمام الحكم في هذه البلدان الثلاثة، سيقرر كيفية التعامل مع اسرائيل اما حربا او سلاما.
ولان الحرب مع اسرائيل ليست من صالح اية دولة عربية منفردة في هذه الفترة، بما فيها لبنان حزب الله، فإن الاتجاه العام يميل الى توحيد قوى هذه الدول الثلاث، وتقوية آلتها العسكرية بدعم من ايران وروسيا وربما الصين، في حال قيام عمل عسكري مباغت من قبل اسرائيل ضد اي من هذه الدول العربية او ضد ايران. .
أما السلام مع اسرائيل فهو يختلف مع كل دولة من هذه الدول. كيف؟
مصر في حالة سلام موجودة مع اسرائيل، والخوف من نقضها.
سوريا في حالة هدنة مع اسرائيل والخوف من كسرها.
ولبنان في حالة حرب مع اسرائيل والخوف من تأجيجها.
وايران مهددة يوميا بضربة عسكرية ما من قبل اسرائيل او اميركا المتواجدة في افغانستان او حلف الناتو، او هذه القوى جميعا تقوم بعدوان ثلاثي موحد.
الانتخابات الرئاسية المصرية ستكون المفصل في قضية الحرب والسلام مع اسرائيل وايران.
والايام المتبقية قبل الانتخابات، ربما ستحمل مفاجئات ليست في حسبان القوى السياسية المتواجدة على الارض.
وربما ستشهد سوريا ومعها لبنان، مفاجئات من العيار الثقيل، بعد انتخاب الرئيس المصري العتيد.
ليس بالضرورة ان تكون تلك المفاجئات سلبية، اذ ان التوافق الروسي الاميركي يبقى متوقعا لايجاد مخرج ما، يوفر كلفة حرب على الفرقاء. خصوصا وان الدول جميعها بما فيها الدول العظمى غير قادرة ماديا على القيام بأي حروب عسكرية، وليس باستطاعتها ان تبيع اسلحتها بالديْن الى الاطراف المعنية في الشرق الاوسط.
ولكن يبقى دائما الحذر مطلوبا، من مفاجئة سلبية تقوم بها اسرائيل على الساحة اللبنانية والايرانية قد تشعل المنطقة بكاملها.
وفي كل الاحوال فإن مصر تشهد الآن المراحل الاخيرة من ازمتها القائمة، ويبقى السؤال المتعدد الاوجه؛ وهو على ماذا ستنتهي هذه الازمة؟ وكيف سيؤثر ذلك على الوضع القائم في سوريا، وكيف سينعكس على الحالة اللبنانية؟ وبالطبع على الوضع الاقليمي بشكل عام بين ايران والدول العربية في الخليج؟

سامي الشرقاوي

هناك تعليق واحد:

Übersiedlung Wien يقول...

يارب سلم ... سلم

قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات