23‏/10‏/2011

حزب الله على مفترق طريق مع صديق في ضيق


لم تنتبه الى الآن قيادة حزب الله في لبنان، ولا مجلسه الاعلى في ايران، أن الحرب التي تشنها اسرائيل ومن معها من دول الغرب وبعض العرب على الحزب، ليست حربا عسكرية تقليدية بل حربا سياسية ونفسية بامتياز.

ولا يختلف اثنان ان موقع الحزب على الخارطة السياسية اللبنانية هو محرج ومكشوف، برغم كل المعنويات التي يضخها امينه العام السيد حسن نصرالله مباشرة من خلال خطاباته او من طريق غير مباشر بواسطة وسائل الاعلام التابعة للحزب او التي هي صديقة له.

ولا شك ان لزيارة وفد من حزب الله لروسيا، برئاسة رئيس نواب الحزب في البرلمان اللبناني معنى استثنائي، ان من ناحية تشكيلة الوفد، او من ناحية التوقيت، أو اختيار روسيا بالذات لهذه الزيارة المباشرة عوضا عن الوفود الايرانية التي تتبادل مع روسيا الافكار حول وضع حزب الله في لبنان.
تحمل الزيارة في هذا الوقت بالذات دلالات عديدة، كما تتحمل استفسارات متنوعة، خصوصا وان الحزب يعيش هذه المرحلة تحت ضغوطات عديدة، وازمات داخلية شديدة وصلت الى مستوى قياسي بعد كشفه عدة خروقات اسرائيلية لبنيته بواسطة شبكة من العملاء هم من المنتمين للحزب ومنهم أعضاء رئيسيين فيه ولهم مواقعهم الحساسة ...السياسية والامنية.

كما يواجه حزب الله سلسلة من الحملات السياسية العنيفة داخل لبنان وخارجه كلها ترتبط بسلاحه المتنامي داخل لبنان والذي باتت شريحة كبيرة من اللبنانيين تعتبره تهديدا لامن لبنان بنفس المقدار الذي يُعتبر تهديدا لامن اسرائيل. ويعتقد قسم كبير من اللبنانيين انّ اتهام المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس السابق رفيق الحريري، لعدد من الافراد المنتمين لحزب الله بتنفيذ جريمة اغتيال الحريري، ترقى فوق الشبهات الى اليقين، اذا لم يبادر الحزب بتسليم المتهمين الى القضاء وينأى بنفسه كحزب عن هذه الجريمة.

أما في الخارج، وتحديدا في الدول الغربية التي تكن لاسرائيل عاطفة غير محدودة، فقد وجدت هذه الدول في القرار الاتهامي لمجموعة من افراد الحزب، متنفسا كبيرا للقيام بأكبر ضغط ممكن القيام به سياسيا وقضائيا عليه بهدف شله او على الاقل تحجيم كيانه السياسي والامني في لبنان.

وقد ساعد الحراك الشعبي القائم حاليا في سوريا على حشر حزب الله أكثر، لأنه وباعتراف الحزب، يرى أن هذا الحراك اذا نجح وسقط النظام البعثي في سوريا، فستكون احدى النتائج المباشرة هو قطع الامدادات العسكرية واللوجيسيتة التي تأتي اليه من ايران عن طريق سوريا.

يشير المراقبون السياسيون الى ان الحزب قرر زيارة مباشرة الى روسيا، بهدف فتح علاقة رسمية ومباشرة مع دولة عظمى، خصوصا وانه يشاع انه استفاد مؤخرا من مساعدات روسية تسليحية وتدريبية بصورة غير مباشرة عبر سورية و إيران.

لكن ما سبب هذا التحرك المباشر الآن؟
يقال أن قيادة حزب الله درست في الآونة الاخيرة الوضع الاستراتيجي للحزب في ظل تراجع الدور الإقليمي لدمشق بسبب ما تشهده الساحة السورية من حراك شعبي متواصل ضد نظام الحكم، وانشغال القيادة السورية بهمّها الداخلي. وأيضا ضعف طهران الداخلي، نتيجة نزاعات الأجنحة داخل النظام الإيراني، خصوصا الصراع الحال بين الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد من جهة، والمرشد الامام الخامنئي وقيادة الحرس الثوري من جهة أخرى.
وقد لمست قيادة حزب الله خطرا حقيقيا اذا ما سقط النظام السوري، وأخفقت ايران في حل مشاكلها الداخلية وفك عزلتها الخارجية، وبدأ الحزب يشعر بضيق ذات اليد، بعد أن تقلّصت مساعدات ايران المالية بسبب ما تعانيه من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الامم المتحدة.

ويقال ان قيادة حزب الله في لبنان بصدد اتخاذ سلسلة من القرارات المصيرية، منها ما يتعلق بالوضع الحكومي اللبناني، ووضعه العسكري في لبنان، خصوصا على الجبهة مع فلسطين المحتلة استعدادا لمواجهة أسوأ الاحتمالات.

ويبدو ان حزب الله حصل على موافقة مبدئية من ايران، لتوسيع سياسته الخارجية المباشرة بدأ من موسكو التي تُظهر دفاعا عنيدا واحيانا شرسا عن النظامين السوري والايراني في الامم المتحدة. ويقال ان ايران هي التي رتّبت للحزب موعدا مع السلطات في موسكو، الامر الذي رفع مستوى الخوف لدى الحزب، اذ اعتبر موقف ايران تجاوزا لسوريا التي اعتادت ان تمر كل الامور المتعلقة بحزب الله عن طريقها.

يتوخّى حزب الله من موسكو موقفا متعاطفا مع سياسته في لبنان، ودعما له في صراعه مع المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري، والعمل على تأمين عدم انقطاع خطوط الامدادات للحزب عبر سوريا بغض النظر ما اذا سقط النظام السوري ام لم يسقط. كما يتوخى رعاية روسية مباشرة للحزب في حالة حصاره عسكريا.

أما اذا ادّت الزيارة الى اعتراف روسيا العلني بالحزب، فسوف يكون ذلك نقلة نوعية تمهد لتأمين حماية دولية له في مواجهة الاتهامات التي يتعرض لها بأنه تنظيم إرهابي، وبأنه متورط في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

توازنا مع ما يمكن اعتباره "حذرا" ايرانيا من الحراك الشعبي السوري، و"قلقا" ايرانيا من الاسلوب الذي تعتمده السلطات في سوريا لمجابهة هذا الحراك، تعرب السلطات في روسيا عن اعتقادها بأنه لن ينفع القيادة السورية اي مساعدة اودعم لها من قبل روسيا على المستوى الدولي وخاصة في الامم المتحدة، اذ ان هذه الحماية قد تنتهي اذا ما استمرت الثورة في سوريا، وهذا من شأنه أن يضعف روسيا نفسها في المنطقة، فتخسرها بعد أن خسرت ليبيا.
لذلك يجوز الاعتقاد ان استقبال روسيا لوفد حزب الله هو من باب توجيه رسالة الى الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، انه من الصعب تأمين بديل للنظام السوري من دون ارضاء روسيا.

من ناحية اخرى، يطل الرئيس الايراني من شاشة ال سي أن أن الاميريكية، ليؤكد ان اميركا مكروهة في المنطقة، بسبب سياستها التفريقية وانحيازها الكامل لاسرائيل. غير ان اللافت اعلانه رفض "كل عمليات القتل التي تجرى في ذلك البلد على خلفية الاحتجاجات المستمرة منذ آذار الماضي".

واللافت ايضا حديثه عن بذل الجهد " لتشجيع الحكومة السورية والطرف الآخر، وكذلك كل الأحزاب، على التوصل إلى تفاهم، ولن يكون هناك تدخلات خارجية." ونصح الولايات المتحدة الاميركية "عدم ممارسة الضغوطات على الشرق الأوسط."

لا يمكن معرفة ماذا دار بين وفد حزب الله والقيادات الروسية، غير انه من المؤكد ان نتائج تلك المحادثات ستظهر بشكل مباشر او غير مباشر في الايام القليلة القادمة، وسط التزام موسكو بقرارات صدرت سابقا عن الامم المتحدة وشاركت هي في صنعها، مثل القرار 1757 الذي لا تقبل روسيا بالمس به، وهي ايضا لا تنوي التراجع عن التزام بقرارات المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري ورفاقه.

سفافة اللعبة السياسية في منطقة الشرق وحماقتها وخطورتها في آن معا، أنها تهبط الى مستويات قياسية تأجيج الاحتقانات الطائفية والمذهبية وحتى العرقية. ولا يتورع اي طرف من الاطراف عن استخدام كل الوسائل من اجل تحقيق مأرب سياسي له.
فمن اتهام اميركا لايران بمحاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن وما ينطوي هذا الاتهام على ضعف في السيناريو واستخفاف للعقول، الى رد حزب الله بسيناريو اضعف واسخف باتهامه السعودية وسعد الحريري بالتخطيط الفعلي لسيناريو اتهام إيران بمحاولة اغتيال عادل الجبير تمهيداً للصق تهمة اغتيال رفيق الحريري بها، يبقى الوضع في المنطقة وخاصة في لبنان على كف عفريت حرب مذهبية من الممكن ان تمتد لتشمل المنطقة كلها، وتستدعي في النهاية تدخلا دوليا قد يؤدي الى تقسيم جديد للمنطقة بادارة دولية.

باعتقادي المتواضع ان الانتفاضات التي جرت في تونس ومصر والتي تجري الآن في اليمن وسوريا، تُستغل بشكل مثير من جميع الدول المعنية بشؤون الشرق الاوسط، خصوصا من حيث تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية بهدف خلق حالة ديموغرافية مناسبة في المنطقة (أو على الاقل محاولة في هذا الشأن) تمهد للاعتراف بدولة اسرائيل كدولة يهودية.

ويبقى حزب الله المستهدف الاول، ويمكن ان يكون كبش الفداء، خصوصا وأن القيادة السورية لم تقل بعد كلمتها النهائية، وإن هي أعلنت عن دراسة المقررات الاخيرة لوزراء الخارجية العرب، وأعربت عن نية في التعامل الايجابي معها.

سامي الشرقاوي 

16‏/10‏/2011

ربيع العرب ألهم شتاء غضب في الشرق والغرب


لم يستطع الربيع العربي أن ينتصر على الانظمة المتحكّمة في الشعوب العربية، رغم أن الشعوب نجحت في اقتلاع بعض الرؤوس والايادي، لكن هذه الانظمة ما زالت تحافظ على قدر كبير من السيطرة على مجريات البلاد العربية كلها دون استثناء.

فشل الشعوب العربية في قلع تلك الانظمة، يعود الى أنّ هذه الانظمة مستمدة أصلا من أنظمة دولية تمسك جيدا بمصائر الدول العربية وتدير اللعب فيها بشكل مدهش فعلا.

لكن هذه الانظمة الدولية بدأت تتعرض الى ضغوطات شعبية في بلدانها بدأت في الولايات المتحدة وامتدت لحدّ الآن الى 82 دولة وأكثر من 900 مدينة في شرق الكرة الارضية وغربها.

الجماهير التي تحتشد في شوارع الولايات المتحدة وكندا واوروبا واسترالية ونيوزيلندا وآسيا، كلها تتطالب بشيء واحد وهو الحد من سيطرة السياسيين والشركات المالية والبنوك والشركات الكبرى على زمام الامور وانهاءالتحكم بمصائر شعوب وجيل ناشيء يعاني من الفقر والبطالة وقلة الموارد الفردية.

وقد بدأت هذه الاحتجاجات تتحول الى فوضى واعمال شغب في عدد من مدن الدول وبدأت المصادمات مع قوى حفظ الامن في كثير من الشوارع.

يقول أحد النشطاء البارزين ان الهدف من هذه الاحتجاجات هو كسر النظام المالي العالمي الذي يسيطر على مقدرات البلاد، ويستفيد منه فقط السياسيين ورجالات الاعمال والشركات الكبرى وشركات التمويل والمصارف، وتبقى الشعوب تحت وطأة المعاناة اليومية. وفوق كل ذلك فقد تسبب هذا النظام بأزمات مالية وسياسية وامنية خانقة كادت أن تودي بالبلدان المعنية الى شفير الهاوية.

ويتهم المحتجون الانظمة والسياسيين والمصارف بنهب وسرقة اموال الشعوب، ويرفعون شعارات "أموالكم أموالنا" و "كفاكم نهبنا" وغيرها من الشعارات التي تعبر عن مدى السخط والغضب لدى الجماهير.

 ويبدو ان بلاد الغرب وإن تختلف اختلافا جذرياً عن بلادنا العربية كلها، إن كان من جهة الطبيعة والبيئة، أو العادات والتقاليد، أو المفهوم الديني، أو المثُل والقيم، أو غير ذلك من المتناقضات والاختلافات، الا انه يبدو ان الشعوب تشترك بنفس المعاناة و"التعتير" وإن كان بنسب متفاوتة.

فالانظمة الغربية، تتمتع بذكاء خارق تستعمله للمحافظة على عدم قطع تلك الشعرة بين "الذي معه" و "الذي ليس معه". ولكن يبدو ان كثرة الضغط يولّد الانفجار. وهذا الانفجار المتوقع بدأت حممه تلوح في الاجواء.

اذا تمشّى المرء مثلا في شوارع مدن أية دولة أميركية أو اوروبية أو أسترالية أو كندية، سوف يلاحظ أن 99% من المنازل والابنية والسيارات والعربات هي ملك للمصارف وشركات التمويل، التي تعتاش من الفائدة المركّبة التي تفرضها على الفرد عندما يشتري منزلا مثلا، ويظن انه امتلكه. فإذا كان ثمن المنزل يُسدّد خلال 25 سنة الى المصرف أو الشركة المموِّلة، يصبح ثمن المنزل وفق معادلة تمويلية، عشرة أضعاف ثمنه الفعلي، و20 سنة من السنوات الـ 25 هي لتسديد الفوائد فقط.

ولأن هذا الامر يعجز عنه كل انسان عادي يحاول ان يشتري بيتا، فإنه يفقد البيت وكل المبالغ التي سددها الى ان يضطر مرهقا على وقف السداد.

تمتليء اليوم شوارع المدن في الشرق والغرب بناس عاديين اجتمعوا على هم واحد، وقرّروا ان يرفضوا سياسات انظمتهم، ويثوروا على الحكام والسياسيين وتجّار الفساد والمصارف والشركات الحصرية. كما يرفضون سياسات التقشف التي تفرض في بلد تلو الآخر، والتي تحرم الشعوب من لقمة عيش كاملة، وتنتقص منها حقوقا في العلاج والغذاء والرداء والدفء والتعليم. ويطالبون بإيجاد بدائل للازمات الحالية، ويقولون انهم يستلهمون كل هذا من الشعوب الشرق اوسطية التي انتفضت على حكامها والسلطات فيها، وهي الآن تطالب بديمقراطية كاملة غير منقوصة.
وهم بذلك يرفعون شعارات عريضة مثل "متحدون من أجل التغيير العالمي"، و "حان الوقت لنتحد" و "حان الوقت كي يستمعوا الينا" و "يا شعوب العالم انتفضي".

هم يقولون انهم لا يملكون شيئا كي يخسروه من جرّاء محاولتهم الانتفاض، لكنهم اذا انتصروا فسوف يربحون الكثير. ويعتبرون ان الازمات الاقتصادية ما هي الا صراع سياسي بين السلطات، وهذا الصراع سيرى انعكاسا سلبيا يبدأ من اوروبا ويتوقعون انفراط العقد الاجتماعي بين دول هذه القارة، ودويّ فضائح الاحزاب السياسية العالمية.

هم يريدون بناء نظام اقتصادي واضح وعادل يسمح للجميع بالوصول إلى الدخل المناسب والحقوق الاجتماعية الأساسية. ويريدون كف يد المصارف والمؤسسات المالية عن التحكم بأموال الناس وفرض سيطرتها على ممتلكاتهم ومداخيلهم.

ويطالب منظّمو التظاهرات بحريّة الوصول إلى المعلومات والتعليم مقابل رفض الخصخصة والتسليع. ويرفضون كذلك الطريقة التي يعامل بها العمال المهاجرون بحجة ارتفاع نسبة البطالة، مع حرمانهم من حقوقهم وخفض رواتبهم، ويطالبون بمنحهم حقوقهم كاملة.
وقد أعلنوا يوم 15 اكتوبر يوم المطالبة بالديمقراطية الحقيقية، ويوماً تنطلق فيه الاستعدادات لتعريف الناس كيف يقررون مستقبلهم، ويصلحون أنظمتهم السياسية والاجتماعية والمالية والامنية.

لقد تسبب النظام المصرفي المتبع حاليا في معظم البلدان الغربية، وبسبب السياسات الإقراضية الغير مسؤولة، والانخراط في لعبة مضاربات محمومة، في انهيار اقتصادات دول وتوريط دولا اخرى في ورطات غير مسبوقة على صعيد التوازن المالي.
هذا النظام المصرفي هو بحماية السياسيين والانظمة، الذين يطلقون للمصارف والمؤسسات المالية العنان في التحكم والسيطرة على اموال الناس، والامعان في الفساد حتى تفاقم العجز وانفلت الاقتصاد الى حد الهاوية.

كنت أتخيّل، أن بلاد الغرب هي بلاد الحضارات، والديموقراطيات، وأنّها مهد التمدن والتقدم العلمي والنمو الاقتصادي…غير أني صعقت، لما رأيت أنّ بلاد الغرب لا تختلف بالقياس عن بلادنا، وولاتها لا يعلون أي درجة عن ولاتنا.
بل على العكس.. فإنه ليكاد أن يكون حكّامنا صادقين، أو صريحين أو واضحين فيما هم قائمين عليه وعلينا…
أمّا حكّام وحكومات وإدارات بلاد الغرب، فإنهّم الخبث عينه، والدّهاء نفسه، والكذب كلّه…
والحضارة عندهم ليست إلاّ طريقاً معبّدة إلى بيت إبليس. والمدنية عندهم ليست إلاّ ستاراً مسدلاً على الظلم الاجتماعي. والديموقراطية عندهم ليست إلاّ حاجباً يحجب التعسف السياسي.
وما يتغنّون به من قوانين وأنظمة ليست كلّها إلاّ "فرمانات ثعبانية" المقصود منها معاقبة الشعب وتغريمه على مدار السنة.

عندما تحققت من هذا كله، أيقنت أنّ التقنية باتت مرآة كبيرة تأخذ من عالم الحضارات الجديدة كلّ الفساد وتعكسه بسرعة البرق، على كلّ أنحاء العالم.

فأيّ شتاء سيأتينا........
سامي الشرقاوي

02‏/10‏/2011

ايران، تركيا، حزب الله والاخوان في لعبة الامم


لا يختلف اثنان على أن الازمة التي تعصف اليوم في الوطن العربي هي أزمة مفتعلة، والمفتعلون كثر وأسبابهم كثيرة ومتنوعة ...... بيد أن الى جانب اختلاف هذه الاسباب فإن النتائج المرجوّة لدى كل فريق تتنوّع بقدر قوة هذا الفريق أو ذاك:
السيطرة الكاملة على هذا الوطن
السيطرة الجزئية على هذا الوطن
المشاركة في السيطرة على هذا الوطن
ولكن جميعهم لهم هدف واحد مشترك، الا وهو انتزاع الصفة العربية من هذا الوطن أو في أقل تقدير إضعافها والتحكّم بها.
واذا نجح مخطط هذه الازمة فبطبيعة الحال سيكون الرابح اسرائيل. ويكون المخططون قد حققوا بغيتهم. والمشاركون أكانوا يدركون ام لا يدركون فقد شاركوا مباشرة او بشكل غير مباشر في تحقيق هذا المأرب.

وفي التفاصيل وشرح الكلام لدينا بعض التأملات في حقائق تاريخية كان لها تأثيرها على مجمل  الوطن العربي، كم نراها اليوم تتجدد على مسرح الاحداث:
منذ التاريخ وأرضنا مطمع الامم ومحاولات متواصلة لتهويد جزءا منها، واقامة سياج أمني لحماية الجزء المهوّد.
بدأ غزو الاراضي العربية عندما قرّر النبي موسى عليه السلام  قيادة الاسرائيليين الى "أرض الميعاد" بعد إنقاذهم من ظلم الفراعنة، بيد أن حكمة الهية منعته ومنعتهم عن ذلك، ولكن بعد موت موسى، وحسب العهد القديم، فقد غزا "جوشوا" بلاد كنعان ودمر مدينة "جيريكو" (الخليل) وقاد من هناك الاسرائيليين ليحقّق انتصارات عديدة على الكنعايين. واستقر الاسرائيليون في أرض كنعان الى ان جاء "داود" وأنشا "مملكة اسرائيل". وكانت هذه المملكة تقع على مساحة تتوافق تقريبا مع مساحة الاراضي الفلسطينية المحتلة الآن، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان الاسرائيليون يحاولون بشتى الوسائل طرد الفلسطينيين الذين هم الاهل الاصليون لتلك المناطق. بخلاف ما يدّعي الاسرائيليون وما قاله رئيس وزرائهم أمام الكونغرس الاميريكي الذي صفّق له جهلا، وما قاله مؤخرا أمام جمعية الامم المتّحدة، في خطاب عاطفي رفض خلاله قيام دولة فلسطينية بعضوية كاملة في الامم المتحدة، لأنها ستكون خطرا مباشرا على الدولة اليهودية.
ولمّا استطاع الملك الفارسي قورش أن يسيطر على مدينة القدس دعا اليهود الى اعادة بناء الهيكل حيث تم بنائه سنة 516 قبل الميلاد في عهد الملك الفارسي داريوس.
ثم عادت القدس لتكون تحت سيطرة الاسكندر المقدوني عندما هزم المملكة الفارسية، ومن بعده بطليموس الخامس الذي خسرها واستقرت بيد السلوقيين. وفي عام 63 قبل الميلاد وقعت القدس تحت حكم بومباي امبراطور الروم الذي ضم مملكة اليهود الى الامبراطورية الرومانية وعيّن الملك اليهودي هيرودس واليا تابعا لها.
في القرن السادس بعد الميلاد أخضعت روما اقليم يهودا ليكون تحت الحكم المباشر لها في ظل التعداد الضريبي الذي اعتمدته لاحصاء سكان أقليمي سوريا وليديا الفارسية بغية اخضاعهما للنظام الضريبي المباشر للامبراطورية الرومانية.
وعندما غزا الرومان الساحل الشرقي للبحر المتوسط قبل مولد عيسى، استقرّوا على اسم "فلستينيا" وأطلقوه على كل المنطقة الجنوبية لارض كنعان بما فيها الارض المحتلة من قبل اليهود والاراضي المجاورة. وتطوّر الاسم لاحقا ليصبح "باليستاين" باللغة الانجليزية و"فلسطين" باللغة العربية.
وفي زمن مولد المسيح، كان اليهود يفهمون العالم: عالم يهودي وعالم غير يهودي. وقد جهدوا عبر التاريخ ليفصلوا انفسهم كليا عن العالم الغير يهودي. وربما كان هذا هو السبب الرئيس الذي حذا بسكان الناصرة اليهود رفض عيسى رفضا قاطعا، عندما أعلن انه جاء ليكمل النبوءة.
وقد ورد في انجيل يوحنا 7:1-9 : يتنقل عيسى حول الجليل ولكنه يتجنب يهودا، لأن اليهود ومملكتهم يهودا كانوا يتحيّنون الفرص لقتله.
وفي القرن السادس للميلاد حلّت الامبراطورية البيزنطية محل الامبراطورية الرومانية واعتبرت امتدادا لها.
شهد القرن السابع للميلاد مولد الاسلام في مكة المكرمة في شبه الجزيرة العربية، على يدي الرسول والنبي العربي محمد بن عبد الله الذي استطاع توحيد كافة اقطار شبه الجزيرة العربية.
انهارت الامبراطوريتان البيزنطية والساسانية تحت وطأة الفتوحات الاسلامية، التي استرجعت بلاد مصر وفلسطين وسوريا. وبذلك انتهت السيطرة السياسية والاجتماعية لليهود كما انتهى النفوذ اليهودي على تلك المنطقة.
وتعتبر معركة "النهوند" من أكبر المعارك الفيصلية الحاسمة في تاريخ الاسلام، لأنها فتحت الطريق أمام جيش المسلمين ليدخل جميع بلاد فارس وتصبح كلها جزءا من الامة الاسلامية.

في ذلك الوقت كانت سوريا مقسّمة الى قسمين: سوريا الاقليم من أنطاكية الى حلب في الشمال وحتى البحر الميت في الجنوب. وفلسطين بما فيها الاماكن المقدسة للديانات الابراهيمية الثلاث.
وكان اقليم سوريا بغاية الاهمية السياسية والتجارية والدينية، الى ان نزحت اليه قبيلة غسان من اليمن، وأقاموا هناك مملكة غسان. وحكم الغساسنة المنطقة في ظل الامبراطورية الرومانية، وكانت تسيطر على عرب الاردن وجنوب سوريا من عاصمتها بورصة وهي اليوم من ضمن محافظة  "درعا" السورية.
تعتبر معركة اليرموك بين الجيش الاسلامي العربي والجيش البيزنطي معركة تاريخية فاصلة، حسم بها المسلمون قدرالامبراطورية البيزنطية فأنهوها عسكريا وسياسيا، ولم تستطع النهوض لفترة طويلة بعد تلك المعركة، ما جعل كل البلاد البيزنطية تحت التهديد المباشر للغزو الاسلامي.

قسّم المسلمون العرب بلاد الشام الى أربعة أقسام عسكرية: 1- جند دمشق الشام 2- جند حمص 3– جند الاردن 4- جند فلسطين. ولاحقا زادوا مقاطعة خامسة أسموها جند قنّسرين.
وكان "جند فلسطين" يوازي تقريبا المساحة الي أطلق عليها الرومان "فلسطين 1" التي تشمل يهودا، وفليستيا، وجنوب الاردن.
و"فلسطين 2 " التي تشمل سماريا والجليل والجولان وشمال الاردن. وكان هذا التقسيم أيضا لتسهيل الجباية الضريبية.
وفي عام 642 سقطت مدينة الاسكندرية على أيدي المسلمين وهرب البيزنطيون من مصر، فنعم المسيحيون بحرية العبادة واعادوا بناء كنائسهم.
عندما ورث عبد الملك بن مروان الخلافة، أمر ببناء قبة الصخرة قرب المسجد الاقصى في القدس، وأعاد الوليد بن عبد الملك لاحقا بناء المسجد الاقصى.
ومع بداية العصر العباسي غزا أبو العباس السفاح آسيا، فسيطر على بلاد السند، وشبه الجزيرة العربية، وبلاد الاناضول، وشمالي افريقيا ومصر ودخل دمشق لينشيء فيها نظاما جديدا تابعا لسيطرة بغداد.
وشهد هذا العصر تحدّيا غير مسبوق للفكر الاسلامي والعربي، وبراعة المفكرين والعلماء المسلمين والعرب في جعل الدولة العباسية دولة للثقافة والعلوم. واستطاع العلماء المسلمون من عرب وغير عرب ترجمة اعمال علمية وأدبية جمعوها من مختلف انحاء العالم ونقلها الى اللغة العربية.
كما نجح العلماء المسلمون بتطوير نظريات علمية كان العلماء الرومان واليونان والصين والهنود والفرس والمصريون قد سبقوهم اليها، غير ان المدهش انهم استطاعوا ايضا ايجاد نظريات علمية جديدة ومستحدثة، جعلت باقي علماء العالم يتّبعوها ويعملون بها. ويعتقد كثير من المفكرين والعلماء ان العصر العباسي كان له دورا مميزا في نقل العلوم الاسلامية الى الغرب المسيحي.
كان البيزنطيون في حالة حرب مستمرة مع العباسيين في سوريا وبلاد الاناضول تركيا. فعمد الموالي من خوراسان الذين ناصروا الدولة العباسية في نهوضها، الى الانقلاب على الدولة واعلان استقلال اقليم خوراسان عن الدولة العباسية. ومع حلول القرن العاشر للميلاد خسر العباسيون معظم العراق. واصبحت معظم بلاد ما بين النهرين تحت حكم الامر الواقع De Facto.
في ظل تلك الفوضى، انشق الفاطميون الاسماعليون عن الدولة العباسية، وأنشأوا الدولة الفاطمية الشيعية بتحالف عربي بربري، لتحكم فيما بعد تونس ومصر والمغرب والسودان وصقلية ومالطا والساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط وبلاد الحجاز.
ومع ان الفاطميين تمكنوا من ايجاد مملكة قوية وذات نفوذ الا انهم لم يستطيعوا التغلب على الصراع العرقي الذي قسم الجيش بين العرب والترك والبربر، واستطاع الاتراك في نهاية المطاف السيطرة على مصر. اثر ذلك اعلن البربر استقلالهم عن الدولة الفاطمية، واعترافهم بالدولة العباسية السنية في بغداد عام 1040.
استطاع السلاجقة الاتراك من هزيمة الفاطميين في سوريا ومصر وبدأ عهد جديد بقيادة صلاح الدين الايوبي. تأسست الدولة السنية السلجوقية عام 1037 وسيطرت على مساحة واسعة من الاراضي الفارسية والعربية وحتى الهند وآسيا الوسطى. ولعب السلجوقيون دورا مميزا وحيويا في الحروب الصليبية الاولى والثانية.
رأى بعض ملوك أوروبا والكنيسة الغربية أن بقاء مدينة القدس تحت السيطرة الاسلامية قد طال أمده، ونتيجة للحملة الصليبية الاولى، أسس الصليبيون دولا خاضعة لهم في اديسا وانطاكية وطرابلس في تركيا وسوريا وفلسطين وصارت تلك الدول حليفة لهم ضد اي عدوان من جيوش المسلمين.
عانى المسلمون من التغييرات الجديدة في المنطقة التي كان لها وقع ثقيل على مكاسبهم وسلطانهم، فتنادوا من مصر الى بغداد لمحاربة الصليبيين وطردهم، واستطاع صلاح الدين الايوبي بعد فترة وجيزة من استرجاع مدينة القدس وتوحيد جميع المناطق تحت راية الاسلام.
عام 1218 توجه جيش مختلط من المجر والنمسا وهولندا الى فلسطين لتحرير القدس. فتحالف معهم الملك السلجوقي وهاجموا الايوبيين في سوريا.
ثم توجهوا الى مصر واحتلوا ميناء دمياط، الا ان سلطان مصر الكامل اجبرهم على الانسحاب وتوصلّوا جميعهم الى هدنة 8 سنوات.
عام 1248 فشلت حملة الملك الفرنسي لويس الرابع لاحتلال دمياط. بيد ان الامبراطور الروماني فريدريك الثاني نجح بواسطة حيلة ديبلوماسية لسيطرة مؤقتة على مدينة القدس.
في عام 1244 تقدّم المغول في الشام وفلسطين واخذوا القدس وسلّموها الى المماليك الذين تحالفوا معهم بعد انهوا العهد الايوبي في مصر. فعادت بذلك القدس الى المسلمين، وكانت اوروبا في تلك الاثناء باستثناء فرنسا مشغولة بصراعات داخلية.
أخذ العثمانيون مدينة القسطنطينية من البيزنطيين، وغيّروا اسمها الى اسطنبول عام 1453. وفي نفس العام وافق السلطان محمد الثاني مع البطريرك الارثوذكسي اغناديوس، على ابقاء الكنيسة الارثوذكسية تحت الحكم الذاتي واستملاكها لوقف اراضيها وممتلكاتها مقابل الاعتراف بالسلطة العثمانية عليهم. كانت موافقة الكنيسة الارثوذكسية سريعة بسبب العلاقات المتدهورة مع اوروبا الغربية. وذهب قول احد كبار اساقفتهم مثلا حين قال "طربوش السلطان ولا قبعة الكاردينال".
استطاعت الامبراطورية العثمانية ضم جميع الاراضي التي كانت تابعة للبيزنطيين، وفي عام 1535 احتل العثمانيون مدينة بغداد، لتزيد سيطرتهم في بلاد ما بين النهرين، ويصبح لديهم مدخلا بحريا على الخليج الفارسي.
سيطر العثمانيون على معظم بلاد حوض البحر الابيض المتوسط، وحققوا انتصارات عديدة على الاساطيل التابعة لاوروبا الغربية وخاصة في تونس والجزائر، واحتل السلطان سليمان القانوني مدينة القدس التي شهدت في عهده ازدهارا وتطورا، وأعيد بناء الاسوار حول المدينة العتيقة كما أصبحت القدس عاصمة فلسطين.
في أواخر عهد السلطان عبد المجيد الأول، نشبت عام 1860 فتنة طائفية كبرى في الشام، وتحديدًا في دمشق وسهل البقاع وجبل لبنان بين المسلمين والمسيحيين عمومًا، والدروز والموارنة خصوصًا، فوقعت مذابح مؤلمة، وكان ممثلي بريطانيا وفرنسا يشجعون الفريقين على الانتقام ويساعدونهم على الثأر. وفي تلك الفترة برز حدثان كبيران ألقيا بثقلهما على الدولة العلية بشكل خاص والمنطقة بأسرها عموما، هما الأزمة الأرمنية وقيام الحركة الصهيونية. 
أما الحركة الصهيونية، فنشأت بقيادة ثيودور هرتزل عام 1897، ودعت إلى إنشاء وطن قومي ليهود العالم في فلسطين الخاضعة للدولة العثمانية وتشجيع اليهود على الهجرة إليها، فأصدر السلطان عبد الحميد فرمانًا يمنع هجرة اليهود إلى الأراضي المقدسة، لكنه اضطر في نهاية المطاف إلى التهاون معها تحت ضغط الدول الأوروبية، وخاصةً بريطانيا.
وفي عام 1923 م تمت معاهدة لوزان التي قضت باستقلال تركيا وتوزيع إرث الامبراطورية العثمانية وفق اتفاقية سايكس بيكو التي أفضت إلى حقبة الاستعمار الأوروبي الحديث في الشرق الأوسط. أعيد في تلك المعاهدة ترسيم الحدود مع سوريا فضمّت تركيا أقاليم سوريا الشمالية وفيها مرسين وطرسوس(طرطوس) وكيليكية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.
بدأت الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 بإعلان الشريف حسين الجهاد المقدس والثورة على العثمانيين بمساعدة ضابط الاستخبارات البريطانية توماس إدوارد لورنس، واستطاع السيطرة على الحجاز بمساعدة الإنجليز ثم تقدم ابنه فيصل بن حسين نحو الشام ووصل إلى دمشق حيث خرج العثمانيون منها وأعلن فيها قيام الحكومة العربية الموالية لوالده الذي كان قد أعلن نفسه ملكا على العرب غير أن الحلفاء لم يعترفوا به إلا ملكا على الحجاز وشرق الأردن.
وعلى الرغم من تعهدات بريطانيا للعرب بقيام دولة عربية كبرى فقد أجرت هذه الدولة مفاوضات واتفاقيات سرية مع فرنسا وروسيا تناولت اقتسام الأملاك العثمانية بما فيها البلاد العربية ثم انفردت بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سايكس بيكو 1916 التي كانت سرّية فضح أمرها بعد الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917. وفي السنة نفسها غدرت بريطانيا بالعرب مرة أخرى واعدين زعماء الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من خلال ما عرف بوعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر 1917.
وافقت عصبة الامم على المطالب الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا وأقرت بشرعية انتدابها على دول المشرق. وتم تقسيم المنطقة التي ظهر فيها اسم الهلال الخصيب، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق.
أما بريطانيا فأمتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا.
وعقدت في 1923 معاهدة لوزان لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر. تم بموجبها التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية إضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان في المعاهدة السابقة.
قسمت هذه الاتفاقية وما تبعها سوريا الكبرى أو المشرق العربي إلى دول وكيانات سياسية كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها وهي:
العراق، استقل عام 1932
منطقة الانتداب الفرنسي على سوريا: سوريا، استقلت فعلياً عام 1946، لبنان، استقل ككيان مستقل عام 1943. أما الأقاليم السورية الشمالية فقد ضمت لتركيا.
منطقة الانتداب البريطاني على فلسطين: الأردن، استقل ككيان مستقل عام 1946 (كانت منطقة حكم ذاتي منذ 1922) -  فلسطين، انتهى مفعول صك انتداب عصبة الأمم على فلسطين يوم 14 أيار 1948 وجلى البريطانيون عنها. لكن في اليوم التالي أعلن قيام إسرائيل فوق أجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطاني على فلسطين وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث في عام 1949 (إثر حرب 1948 وبعد إلغاء الانتداب البريطاني) قسمت فلسطين إلى ثلاث وحدات سياسية: إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

ونحن اليوم على ما يبدو نشهد الفصل الثاني من مسرحية تقسيم الوطن العربي باذكاء الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة، واعطاء ايران اعذارا لتكون في خضم هذا الصراع، بعد لعبة "حشْرها" في جدل دولي عبثي حول محاولة امتلاكها اسلحة نووية محرمة دوليا.
طبعا، ولتكتمل حبكة هذه المسرحية، لا بد ان تكون تركيا الدولة الاسلامية السنية ذات الطابع العلماني الاوروبي، الندّ المناسب لايران في الصراع على النفوذ بالشرق الاوسط..وخاصة في الوطن العربي، فنرى مبارزة سياسية محمومة بين الدولتين، ومحاولة كل دولة حشد أكبر عدد من الحلفاء من بين الدول العربية.
ولكي يبقى هذا الصراع تحت سيطرة الدول الغربية، أُستحضر الوجود المسيحي في الوطن العربي، والتحذير من محاولة تهجير المسيحيين من المنطقة العربية، خصوصا من لبنان ومصر وسوريا والاردن وفلسطين. وتجديد الدول الغربية اعلانهم بحماية هذا الوجود، طبعا في تذكير دائم بمعاودة احتلال المناطق عسكريا أو سياسيا.
كيف يكون مسيحيون سوريا ولبنان والاردن ومصر في خطر من سنّة تلك البلاد وشيعتها، المدعومين من تركيا وايران، ويكون المسيحيون في تركيا وايران بمنأى عن هذا الخطر؟ أما آن الآوان لهذه السخافة السياسية أن يوضع لها حدود؟

ولكن نرى ان حسابات تركيا وايران السياسية أخذت بُعدا مذهبيا ملفتاً. فبعد نجاح ايران بتثبيت حزب الله في لبنان كقوّة مؤثّرة في الدولة اللبنانية، وخطر يتهدد الكيان الصهيوني في اسرائيل، نرى من الجانب الآخر تحفيز لجماعة الاخوان المسلمين من قبل اميركا واوروبا وتركيا، خصوصا في مصر وسوريا والاردن، والعمل على تقوية شوكتهم وربما مساعدتهم على أن يكونوا في موقع سياسي وأمني مؤثّر في أنظمة تلك الدول، وبطبيعة الحال ضد ايران وحزب الله.

في خطابه الاخير أمام مجلس الامن، شدد رئيس وزراء اسرائيل على الدولة اليهودية، وقال ان الخطر يداهم هذه الدولة من قبل الاسلام المتطرف في غزة ولبنان ومصر وسوريا وايران.

الصورة اليوم غير جلية، لكن الواضح ان هنالك محاولات حثيثة لوضع كل من سوريا ومصر والاردن تحت انظمة اسلامية كجماعة الاخوان المسلمين. وفي هذا تحقيق لهدفين متناقضين؛ الهدف الاول هو تهديد الكيان الصهيوني، والهدف الثاني هو تحفيز المجابهة بين الشيعة والسنة، في محاولة لاضعاف قوى الفريقين وتسهيل التغلب عليهم.
والواضح أيضا ان حزب الله والاخوان المسلمين ومن ورائهما ايران وتركيا، قد وقعوا في شباك لعبة الامم، وصاروا يتخبّطون في هذه الشباك، كلٌ يحاول أن يخرج بأقل ضرر ممكن، لأنهم أيقنوا أنهم بعيدون جدا عن أية مكاسب.
للأسف فقد بات محتّم على كل فريق لكي يخرج من هذه اللعبة المقيتة أن يضرّ بالفريق الآخر. وستكون النتيجة انهيار الجميع، وعودة الاستعمار ليقبع على ربوع الوطن.
قالوا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أننا لا نستطيع أن ندير شؤوننا بأنفسنا، ونحن أثبتنا لهم ذلك بالامس ونثبت لهم ذلك اليوم.
أما حان لنا أن نهدأ ونقيّم الامور بالنضوج والوعي الكافي؟
أما آن الاوان أن ندرك اننا كلنا في مركب واحد؟
ما زال هنالك وقت...ليتنا ندرك أنفسنا قبل انقضائه.

سامي الشرقاوي

24‏/09‏/2011

متى من العفن يفلت الغرب ومتى ينضج العرب؟


طلبْ الرئيس محمود عباس عضوية كاملة لدولة فلسطين في الامم المتحدة، برغم أهميته الا انه يعتبر خطوة صغيرة جدا على طريق رد اعتبار هذا الوطن السليب. وهذا الطلب البسيط يلاقي هجمة شرسة من الولايات المتحدة قبل اسرائيل التي اعطته بعداً امنيا فجنّدت جيشها للدفاع عن اسرائيل اذا لزم الامر تزامناً مع الحدث، للايحاء للعالم مدى قابلية الشعب الفلسطيني للعنف.
لا اريد ان اخوض هنا في تفاصيل معارضة او تأييد هذا الطلب، أو لماذا المعارضة ولماذا التأييد، لأن هذا كله يأتي في اطار لعبة سياسية من ألعاب الامم المتحدة، لتنحية الانتباه عن القضية الحقيقية وهي الوطن الفلسطيني المسلوب... وليس فقط الدولة الفلسطينية المغتصبة.
ولكنني أحب ان اجري مقاربة بسيطة بين حجة أبي مازن وبين حجة نتنياهو.
يقول الرئيس الفلسطيني " نحن طلاب حق ونحن الشعب الوحيد في العالم الذي لا يزال تحت الاحتلال"، وأتبع " بقينا 63 عاما تحت الاحتلال وننتظر حريتنا".
طبعا استفزّ هذا الكلام رئيس وزراء اسرائيل، وعلّق عليه متسائلا كيف يتكلّم عباس عن عام 1948 بينما السلام الذي ينشده الفلسطينيون يتحدّث عن حدود 1967.
ليس هذا الامر الوحيد الذي استفزّ نتنياهو، بل يبدو ايضا ان خطاب محمود عباس الحاسم ولغته المختلفة وحديثه عن قرارات لا رجعة عنها بعضوية فلسطين وتوفر الشروط للعودة الى المفاوضات، ورفض يهودية الدولة الاسرائيلية ورفض اي وجود احتلالي اسرائيلي للجيش والمستوطنين في داخل حدود عام 1967، قد جعل نتياهو يحاول أن يقف وقفة تستدرج عطف من يسمعه، أولا باظهار اسرائيل انها هي الدولة السليبة وثانيا ان الاسرائليين هم المشرّدين الخائفين الذين يُقتل منهم الآلاف. حقاً اذا لم تستحِ فقل وافعل ما شئت....

حاول نتنياهو في بداية خطابه أن يشير سلبا الى الجمعية العامة واصفا هذه الجمعية "بالغرفة المظلمة" وأن مجلس الامن يترأسه منظمة ارهابية في اشارة الى حزب الله والوفد اللبناني الى الامم المتحدة وترأس لبنان الدورة الحالية لمجلس الامن.
 ثم حاول حشر الرئيس الفلسطيني، بأن قال في نهاية خطابه بأنه على استعداد تام لبدء مفاوضات مباشرة معه فورا وسط جدران مبنى الامم المتحدة. وهذا يدل على مدى الاحراج الذي يتخبط به المسؤول الاسرائيلي خصوصا بعد ان وجد تجاوبا غير مسبوق في القاعة مع خطاب محمود عباس وعضوية الدولة الفلسطينية. وكان عباس في خطابه قد اشترط للتفاوض وقف اسرائيل للاستيطان واعتراف بدولة حدودها 1967، فقابله نتيانهو بعرضه التفاوض المباشر فورا دون أية شروط او تحفظات من الطرفين.

لم يبرر رئيس وزراء اسرائيل ما قاله عباس عن المصادرة الممنهجة للأراضي الفلسطينية، وطرح العطاءات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وبخاصة في القدس، وفي مختلف مناطق الضفة الغربية، وعبر بناء جدار الفصل الذي يلتهم مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين، مقسمًا إياها إلى جزر معزولة، ملقًيا بذلك آثارًا مدمرة بحياة عشرات الألوف من الأسر.
بل تحدث عن تضحية اسرائيل المتواصلة باعتمادها اسلوب السلام الشامل الى درجة الانسحاب من اراضٍ احتلتها مثل غزة وجنوب لبنان الا ان هذا الفعل بنظره قد أكسب المتطرفين الاسلاميين مثل حزب الله وحماس مكاسب قوية ووضع امن اسرائيل في خطار حقيقي، وهذا كاف بنظره بأن ترفض اسرائيل اي عروض سلام سخية من قبلها حتى لا تقوى شوكة التطرف الاسلامي وفق تعبيره.

وكان الرئيس الفسطيني قد برر اعتماد الفلسطينيين طريق العدل النسبي، بحسب كلامه العدل الممكن والقادر على تصحيح جانب من الظلم التاريخي الفادح الذي ارتكب بحق الشعب الفلسطيني، فصادقوا على اقامة دولة على 22% من اراضي فلسطين اي على حدود 67 واعتبر تلك الخطوة تاريخية قد تسمح باقامة سلام بين اسرائيل وفلسطين.
وقد حدد عباس أربعة أهداف وهي اقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمته القدس الشرقية، فوق جميع اراضي الضفة الغربية وفقا لقرارات الشرعية الدولية وتمسك منظمة التحرير برفض العنف وادانة كل انواع الارهاب وبخاصة ارهاب الدولة والمستوطنيين والتمسك بخيار التفاوض، ومواصلة المقاومة الشرعية السلمية لسياسات الإستيطان. وأكد "عندما نأتي بمظلوميتنا وقضيتنا إلى هذا المنبر الأممي فهو تأكيد على إعتمادنا الخيار السلمي وأننا لا نقوم بخيار أحادي الجانب أو لعزل اسرائيل بل نريد اكتساب الشرعية لقضية فلسطين".

حجة نتنياهو كانت أن حماس انهت السلطة الفلسطينية في غزة في يوم واحد، واسرائيل تخشى انه طالما ان حماس ليست في صلب المفاوضات فإنها ستكون خطرا دائما على أمن ووجود اسرائيل.
كان هذا ردا على قول عباس و"عندما عصف الانقسام بوحدة الوطن فقد صممنا على إعتماد الحوار واستعادة الوحدة"، و"نجحنا قبل شهور بالوصول الى مصالحة، وكان عماد المصالحة هو الالتزام باجراء انتخابات تشريعية خلال عام، لاننا نريد دولة القانون وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، ونحسب ان التقارير الصادرة عن الامم المتحدة والبنك الدولي قدّم شهادات أشادت بما تم انجازه".
قسّم عباس الامم الى قسمين، قسم يعتقد ان الفلسطينيين شعب فائض عن الحاجة في الشرق الاوسط، وقسم آخر يعتقد تن هناك في الحقيقة دولة ناقصة.

صحيح ان هذه الخطوة من الرئيس الفلسطيني ناقصة... بيد انها خطوة مهمة لم يسبق اليها احد من قبل. وهي برغم حتمية طيّها وارشفتها في ملفات الامم المتحدة تحت عنوان "غير قابلة للتطبيق"، لكنها تبقى خطوة قدّمت القضية الفلسطينية بشكل رسمي قانوني الى الامم لتبت في وضع الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف كيف ضاعت دولته وليس متأكدا من أنه سيكون له دولة في يوم من الايام.

ولحركة حماس والقوى الفلسطينية الاخرى التي عارضت رئيس السلطة الفلسطينية في مسعاه، حق المعارضة، وحقّ شرح الاسباب لهذه المعارضة، وحقّ ابداء عدم الثقة بمجلس الامن والامم المتحدة وجمعيتها العمومية، وحقّ الايمان بأن الوطن الفلسطيني كله يجب أن يسترد وليس فقط دولة فلسطينية على مساحات مجزأة تظل تحت سيطرة اسرائيل...
لكن ليس لحماس وهذه القوى المعارضة لعباس ان تنتقده جهارا وتحبط من عزمه.  فإن كانت الخطوة صغيرة، ولو بدت حتى لا تقاس بحلم طفل فلسطيني صغير، فإنها تبقى خطوة سعى اليها رجل من فلسطين بغض النظر عن سياساته وخلفياته... الا انه كان صادقا كل الصدق بطرح هذه القضية كما طرحها، ويجب على أقل تقدير تأييده معنويا وأخلاقيا، لا أن نضعفه أمام الاعداء وأمام من يتربص بنا عند كل مقال أو فعل نقوله او نفعله.

ولكن لننسى السياسة قليلا ونركز على ما قاله نتنياهو في خطابه العاطفي، عن اقدمية الدولة الاسرائيلية والتسمية التاريخية لليهود، التي نبعت من كون هذا الشعب ينتمي لارض يهودا، وتباهيه باسم بنجامين الذي يعود الى احد ابناء يعقوب الذي هو اسرائيل ومنه انحدر اسم اسرائيل التي يجب من وجهة نظره أن تكون دولة يهودية. وقوله أننا أبناء اب واحد هم يسمونه أبراهام ونحن نسميه ابراهيم.
كلام جميل ومؤثر...ولكن لنخوض قليلا في التفاصيل...
أولا: صحيح ان اسرائيل وجدت كما قال نتنياهو قبل 2700 عاما عندما جاء الملك دافيد(داود) وأقام هذه المملكة... ولكن الصحيح أيضا أن فلسطين كانت موجودة قبل هذا التاريخ، ويشهد على ذلك كل الكتب السماوية وكتب التاريخ التي تتحدث عن صراعات لا نهاية لها بين الفلسطينيين الذين يدافعون عن ارضهم والاسرائيليين الذين يريدون أن يتملّكوا هذه الارض.
ثانيا: صحيح أن بنجامين يعود الى ابن من أبناء يعقوب الذي هو اسرائيل، ويعود تاريخ يعقوب الى 3700 سنة، عندما بدأت البذرة الاسرائيلية في الظهور، بيد أن الصحيح أيضا أن العرب كانوا موجودين على هذه الارض منذ اسماعيل الذي هو قبل يعقوب بل أن ابراهيم قد رحل من العراق الى فلسطين ليجد له مأمنا من أعدائه، فأمّن له الفلسطينيون هناك ذلك المأمن.
ثالثا: صحيح ان الاسرائيليين والعرب هم من سلالة أب واحد، لكنهم في الحقيقة يفرّقون في الأم، بين هاجر وسارة. هذه جارية وهذه سيدة. وعلى هذا الاساس يبنون سياستهم. أولاد الجارية واولاد الست. وعلى هذا الاساس يساعدهم كل حلفائهم الذين يساعدونهم على اغتصاب هذه الامة.
هذا من جهة.
ومن الجهة الاخرى، فإن الدول العربية والاسلامية في متاهات آخرى.. وفي حيص بيص لا أول له ولا آخر. وهم في عداء عبثي وثرثري مقيت الى درجة القرف.... غير مقيمين للانسان وزنا، ولا للموت احتراما... ولا للحضارة اعتبارا... منهم من يريد تقديم المال ظنا بأن المال يحل قضية.. ومنهم من يشترط شروطا ظنا بأنه ينال مكاسبا... ومنهم من يعارض فقط من أجل المعارضة خدمة لجهات أخرى... ومنهم من يريد احياء الفتن المذهبية، ومنهم من يعيش على وقع اغنية عظّموني فخّموني...

والشعوب المسكينة في غزة والضفة الغربية وفلسطين المحتلة والعراق ولبنان واليمن والسودان والجزائر والمغرب والصحراء الغربية وافغانستان والباكستان والشيشان، كل وفق موقعه وبعده الاستراتيجي، يتلقى انواعا مختلفة من الموت الزؤام.

ومن لا يموت بالقذائف الاسرائلية والاميركية والاوروبية والحلف اطلسية والروسية والصينية واليابانية، فإنه حتما سيموت بالمؤامرات والدسائس والحروب الاهلية والتفجيرات المفخخة، أو من الفقر والجهل والجوع و البرد أو الخوف.

وهذه الشعوب هي تحت رحمة انظمة أوجدتها لعبة الامم بعد عهود من الاحتلالات السياسية والعسكرية والجغرافية والنفسية، تكبت نموها وتعرقل تقدّمها وتعتقل تاريخها، عن جهل كان ذلك او عن علم.

لذلك، فمن المنطق القول، أن كل هذه المعاناة تنتهي، عندما يبدأ ملوك اللعبة بتقبّل حقيقة ان السيدة هاجر هي أيضا سيدة كريمة نجحت في ايجاد مأوى لها ولابنها، بنى فيه ابراهيم بيتا لله فيه صار محجا للعالمين.

وابنها نبي ورسول، من سلالة انبياء ورسل أنجب سلالات عربية واسلامية عريقة. وهو قد ملك الماء في الصحراء منذ ان كان طفلا فنما ملكا وترعرع سيدا وعاش وجيها في قومه.

ونذكّر بأن عيسى كان نجّارا، ومن قبله داود كان صبيا يخدم راعي غنم، وهما مع ذلك اختيار الله لتأسيس أمم وحضارات عريقة.

متى يفلت ملوك لعبة الامم من التخدير الذي عفّن فكرهم وشعورهم وحسّهم، ويتنشقوا الواقع الصحيح لينتعشوا وينعشوا به أيضا حكام الدول، لأن العروش تفنى والشعوب تبقى.

ومتى ينضج العرب؟

سامي الشرقاوي


18‏/09‏/2011

تركيا وايران والصراع الخفي



وهذا الصراع الخفي يعكس صراعا أقوى بين اعداء الامس في الحربين العالميتين، بيد أن التحالفات اختلطت وتبدّلت، ودخل عليها عوامل جديدة أهمها قيادة الولايات المتحدة لقوى "الحلفاء" الجديدة المتمثلة بأميركا ودول أوروبا الغربية والشرقية وانضمام اليابان ، ومحاولة روسيا تأليف "محورا" فاعلا مع الصين.
وبما أن تركيا استعادت قوتها الاقليمية بعض الشيء، ومالت بسياستها الخارجية الى الغرب طمعا بإدراجها على لائحة الدول الاوروبية، وبما أنها تمثّل كما كانت قبل الحروب العالمية القوة الاسلامية السنية في المنطقة، فقد اعتمدها "الحلفاء" لتكون قاعدتهم الاستراتيجية الاهم في المنطقة.
وبسبب خلافات متواصلة بين دول الخليج العربية، وافتعال ازمات معها كحرب العراق والكويت، وأيضا اهتزاز أمن تلك الدول من قبل منظمة القاعدة، فقد برزت ايران كقوة اقليمية فاعلة في المنطقة، ممثلة القوة الاسلامية الشيعية.
أما القوة الاقليمية الثالثة (وقد تكون الاولى) التي انبعثت بعد الحرب الثانية فهي اسرائيل، التي لا تملّ من ترداد القول انها دولة يهودية، تبني كيانها وسياستها ومجتمعها على هذا الاساس.
وبرغم ان عدد المسيحيين قليل نسبيا، ويشكّلون مع فئات عرقية ومذهبية أخرى أقليات هذه المنطقة، الا ان المسيحيين يمكن اعتبارهم قوة مهمة بسبب قربهم من اوروبا الشرقية واليونان وايطاليا، مما يجعلهم في تواصل متواصل مع الكنيستين الشرقية والغربية والصرح البابوي. عدا عن كونهم محميين من القوى العظمى اميركا واوروبا وروسيا.
ومع احداث سبتمبر واحتلال العراق وافغانستان، والحرب الباردة بين الامم المتحدة وايران، وما يجري الآن في اليمن ومصر وسوريا ولبنان، زادت سخونة المنطقة مما يمكن الاستنتاج انها مقبلة على امر غير عادي خصوصا وان فرزها بهذا الشكل الطائفي يهيئها لاحتمالات تغيير ديموغرافي، على اساس كونتونات دينية أو مذهبية وما يتفرع من هذه الكونتونات من أقاليم تراعاها الدولتان التركية والايرانية، وترضى بها الدولة العبرية.
فإذا امعنا النظر بما يجري الآن على الساحة العربية، نستطيع ملاحظة لاعبين اساسيين ليسا من الدول العربية، بعد أن انكفأت السعودية عن مسرح الاحداث، وظهرت قطر بدور وسيط بين مختلف الافرقاء الاقليميين والدوليين.
انكفاء المملكة العربية السعودية، لا يخطف بريقها ولا يُضعف قوتها ومكانتها، بيد أنه يجوز أنها رضيت بالمحافظة على أمنها ونفطها والتكفل بحماية الدول العربية الاخرى في الخليج. وربما هي اكتفت بذلك بعد أن اكتشفت بُعدها في المسافة عن سوريا ولبنان وفلسطين، وارتأت ان تجيّر دورها الى تركيا باعتبارها دولة اسلامية سنية، وباعها يطول عسكريا دولة اسرائيل، ويؤثر سياسيا على سوريا التي طالما افشلت الخطط السعودية في لبنان.
وتركيا ايضا هي مركز قوة مواجهة لايران، وتتكافأ مها في الموازين العسكري، وتتواجه معها على حدود طويلة.
فلماذا لا تلعب تركيا دور السعودية في شرق البحر الابيض المتوسط؟
واذا صحّ هذا التحليل، فيصح أيضا ان هندسة هذا المخطط هي للأميركي والاوروبي، من خلال مخطط بدأ مع انتهاء الحرب الثانية، ويبدو ان تنفيذ المرحلة الثانية منه قد بدأ الآن.
 
من المعروف ان شعوب المنطقة العربية، لم تتمكن بعد الحرب العالمية الثانية من اختيار قادتها وانظمتها السياسية بطريقة ديمقراطية، اذ انها كلها بلا استثناء كانت ترزح تحت حكم الاستعمار الفرنسي والبريطاني، الامر الذي يبرز معه السؤال، اذا لم تكن الشعوب العربية هي صانعة قاداتها فمن الذين صنعهم؟
بالطبع لم يصنع هؤلاء القادة انفسهم، اذ لا يستطيع أحد أن يصنع نفسه، فالخالق غير المخلوق.
وبالتالي ليسوا هم من أوجدوا أنظمتهم... وإن كانوا قد استولوا عليها وقبعوا فيها وتاهوا في اعماقها، ونسوا انهم في وظيفة رسمية لارباب عمل لا ترحم.
لا شك أن عمر قادة الدول العربية دون استثناء يبدأ من الوقت الذي منح الاستعمار الاجنبي الاستقلال لهذه الدول، وكرّس انظمة في هذه الدول تابعة له! فوُلد النظام ووُلد معه قائده.
بالطبع هناك استثناءات بمعنى أن بعض الانظمة في بعض الدول ولدت متأخرة عن أنظمة في دول أخرى. وأن بعض القادة تثبّتوا متأخرين عن تثبيت قادة آخرين، ولكن بالنتيجة لم ينته عقدين من الزمن بعد الحرب الثانية الا وأن كل القادة الذين مازالوا الى اليوم( وبعضهم رحل كمبارك وبن علي والقذافي)، قد حافظوا على مراكزهم ما يزيد على ثلاثة عقود أو أربعة في حالة القذافي. وكل هؤلاء القادة أتوا بعد حالات ثورية انقلابية (منها مفهوم ومنها غير مفهوم على الاطلاق) أطاحت بأنظمة وأنشأت أنظمة أخرى، وشكّلت هذه الانظمة بشكل أو بآخر درع حماية لدولة اسرائيل الجديدة! والا فكيف نفسر هذا الانسجام بين الدول العربية بالنأي عن محاربة اسرائيل الا في حالة الدفاع، واتخاذها قرار الهدنة معها والالتزام بهذه الهدنة على الرغم من خرق اسرائيل لها بافتعال حروب متواصلة مع مصر والاردن وسوريا وفلسطين ولبنان؟

فكيف حصلت تلك الحالات الانقلابية؟ ولماذا ؟ ومن كان وراء المنقلبين وأنظمتهم الجديدة؟ وكيف وصل القادة الحاليين المخلوعين منهم وما سيحصل للباقين برسم اقدارهم؟

كان الهم الرئيس للاستعمار الاجنبي بعد الحرب الثانية ولا يزال، هو ايجاد وطن لليهود المشتّتين في العالم، والذين كانوا سببا بارزا لقيام الحرب العالمية الثانية. وسيكونون على الارجح سببا في نشوء حرب ثالثة أو على الأقل (خربطة) غير معهودة في خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا.
وكانت آثار الحرب الاولى أعمق على الدول التي كانت تحت الحكم العثماني، بعد أن تحقق ما كانت تصبو إليه الدول الأوروبية بتقسيم الغنيمة في تلك البلاد والسيطرة على مقدراتها وثرواتها وخيراتها وشعوبها وحكامها. ولكن الغرب لم ينس كيف تعاملت الدولة التركية الجديدة مع اليهود وكيف تسامحت تركيا في تسهيل هجرة اليهود الى فلسطين وكيف كان لاعتراف تركيا بدولة اسرائيل وتطبيع العلاقة معها.
لذلك فلا مانع ان تكون تركيا اليوم اللاعب الاكبر، تحل محل السعودية التي ليس لها حرية التعبير الفعلي والسياسي الحقيقي مع او ضد اسرائيل. فتركيا لها هذه المساحة الكبيرة في الشد والرخاء مع اسرائيل دون ان تغضب احد من الاطراف بما فيهم اسرائيل نفسها.
تم تقسيم المنطقة التي ظهر فيها اسم الهلال الخصيب، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فأمتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
ويجوز ان بريطانيا وفرنسا بموافقة اميركا، قد أعطوا هذا الدور الى تركيا، وبقيت السيطرة على العراق مباشرة مع الولايات المتحدة امتدادا الى دول الخليج العربي.
غير ان روسيا ستبقى خارج هذا النظام، ولن تستفيد منه لا سياسيا ولا اقتصاديا.
لذلك فإن روسيا اليوم مع ايران.

كان سقوط الامبراطورة العثمانية، وخلْق ما يسمّى بشرق أوسط جديد، أول وأسرع نتيجة مباشرة في منطقة الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن خلق هذا الشرق الاوسط الجديد سرعان ما خلق صراعات جديدة وكبيرة في المنطقة.
أما النتيجة الثانية التي فاقتها في القوة هي الغاء فلسطين وانشاء اسرائيل.

لذلك تعود فكرة الشرق الاوسط الجديد الى الظهور بقوة على الساحة الشرق اوسطية، ويعود معها خلط الاوراق السياسية، ولاتمام ذلك لا بد من توزيع ادوار جديد للقوى الرئيسية من دون ان تكون قوى استعمارية، وبشكل يسهّل ابقاء المنطقة مفتتة ضعيفة لا تقوى شعوبها على النهوض بها.

هذا الحديث يرجعنا الى عام 1921 عندما عمدت الدول العظمى تنفيذ مقررات مؤتمر القاهرة بقيادة ونستون تشرشل الذي قرر تقسيم الولايات العربية وفصلها عن بعضها بمنحه كل منها الاستقلال عن الاخرى وعن الامبراطورية العثمانية، ومنع توحدها تحت أي ظرف من الظروف. كما تقرر الغاء نظام الخلافة وعدم تطبيقه في أي من الدول العربية الجديد، وعدم اعتماد الشريعة الاسلامية في التشريع ونظام الحكم.
الذي يختلف اليوم هو امكانية اعادة الشريعة الاسلامية الى التشريع ونظام الحكم، ولكن تحت رعاية نظام خلافة جديد متطور تقوده تركيا في محاولة لعلمنة المسلمين السنّة شيئا فشيئا، ونظام خلافة جديد تقليدي تقوده ايران في محاولة لإبقاء التوازن العلماني الديني في المنطقة، الى يوم يظهر فيه نظام جديد ينصهر فيه النظامين التركي والايراني.
كيف نفسّر ان الامام الخميني بدأ ثورته من فرنسا، وبدّل نظام الحكم العلماني في ايران الى حكم اسلامي شيعي، مناهض لاسرائيل واوروبا واميركا الذين حاولوا اضعافه في حرب مع العراق، ثم تقويته في مساعدته بحماية شيعة العراق من صدام حسين، الى درجة تدخل عسكري اميركي أممي وشن هجوما كاملا على العراق بزعم امتلاكه اسلحة دمار شامل؟
عجيب هذا الامر!
وبعد احداث 11 سبتمبر 2001 اصرت الادارة الاميركية على اسقاط صدام ونظامه، وتحركت جيوشها مع الجيوش البريطانية لتحرير العراق من صدام ونظام البعث، واحتلاله لفترة طويلة لم تنته الى اليوم.
سقط العراق وقامت ايران دولة اقليمية متمادية القوة في المنطقة!

وباحتلال العراق اصبحت الدول الغربية وخصوصا اميركا، تسيطر على خط يمتد من العراق يواجه ايران في الخليج الفارسي العربي شمالا، ويمر بدول الخليج العربية المتحالفة اصلا مع الغرب، ليصل الى مصر على البحرين الاحمر والمتوسط، وصولا الى قطاع غزة والضفة الغربية والاردن جنوبا، وطبعا اسرائيل التي نشأ هذا المحور اساسا من أجل أمنها.

الصراع الخفي بين تركيا وايران واضح وجلي على اساس دولة سنية ودولة شيعية، كل دولة تريد مكاسبا على الساحة. واذا سلّمنا ان تركيا تحلم برد اعتبار الدولة العثمانية والسيطرة من جديد على سوريا ولبنان والاردن وفلسطين، فما هو أقصى أحلام ايران؟

ومع الاحلام يظل الصراع بين كواليس السياسة، فهل يظهر الى العلن.

هل ما نشهد اليوم من عداء مطبق من ايران ضد اسرائيل يمثّل الصورة الفعلية في السياسة؟
وماذا يختلف عداء تركيا لاسرائيل اليوم عن عداء ايران لها؟
وماذا يريد الغرب في النتيجة من هذا الصراع، وما هي التغييرات التي يعملون عليها في المنطقة؟
الجواب البديهي هو انهم يريدون تغييرات تحمي في النهاية اسرائيل وتحافظ على امنها ووجودها.

ولكن كيف سيتم ذلك، فسيكون لنا في هذا الشأن محاولة اخرى لوضع بعض الاحتمالات.

سامي الشرقاوي


09‏/09‏/2011

فلسطين تحت رحمة الارهاب


يذكرون الارهاب ويتناسون ارهابهم في فلسطين!
أصبحت كلمة الارهاب سهلة القول والمعنى، يطلقها كل من يفتقد حجّة أو يرمي الى فتنة، أو يريد انجاح فكرة سياسية معيّنة.
قبل الحادي عشر من سبتمبر، رأى جهابذة السياسة الغربية واعلامهم في الشرق والغرب، أن يلصقوا تهمة الارهاب بالعرب والاسلام وفي أفضل الاحوال بالتطرّف الاسلامي.
أمّا بعد ذلك التاريخ صار العرب والاسلام مرادفيْن متلازميْن مع كلمة إرهاب في القواميس الى درجة أن أي بحث عن كلمة إرهاب على شبكة "الانترنت" يُظهر آلاف الصفحات عن العرب والاسلام والمسلمين وكل ما يشير الى هذه المفردات أو يمتُّ اليها بصلة.

ومن نكد الزمان علينا أن نرى ونقرأ بأعيننا ونسمع بآذاننا مذمّتنا، وليس منّا من يهب للدفاع عنّا، أو في أحسن الاحوال ردّ المكيدة عنّا أو تحصيننا من عواملها السلبية علينا.
وقد بَلانا الزمان فوق كل هذا بحكّام وأنظمة لا نفهمهم ولا يفهموننا، بل لا يفهمون الاّ ما هو خير لهم وشر لنا.
بلانا الزمان بقادة، همّهم اختراع حروبٍ وهمية، يصولون في ساحاتها ويجولون، يربحون دائما معاركهم ولا يخسرون، ولا يرون في شعوبهم أكثر من مجرّد قطيع يفلتوه في المراعي التي هجرتها الخضرة وشحّ فيها الماء.

لا ننكر أن منّا عتاة مجرمين... ولكن من صنعهم؟
وإن كان فينا فئة توهّمت ان الجهاد من أجل القضية يكون في القتل والدمار، فهذا جهلٌ وكفرٌ ... وهؤلاء يشرّعون عذرهم كما يحلو لهم ... ويبقى هذا العمل لا ينتمي الى بيئتنا ولا الى حضارتنا العربية والاسلامية.

أمّا الارهاب الحقيقي فهو الخالي من أية قضية، وهو عندهم وفي بيئاتهم وشوارعهم ودهاليز مخابراتهم وأقبية سجونهم وخلف جدران مدارسهم وجامعاتهم، وفي مستوصفاتهم ومشافيهم، ووراء مكاتبهم، وداخل اروقة دوائر أمنهم وشرطتهم، ولا يحمل الا القتل العمد من دون أسباب. شرٌ مطبق!
وهذا لا نجده في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، بل في مجتمعاتهم الغربية الغريبة.
وإذا ما كان هنالك أنظمة عندنا تمارس هذه الاعمال، فهي من صنعهم وتدريبهم وتحت تعليماتهم وارشاداتهم.

هم الذين مارسوا الارهاب على مدى آلاف السنين.
هم الذين قتلوا الانبياء والمرسلين.
هم الذين خرّبوا الديار، وأشاعوا الفساد في الارض، من أيام نوح وسيفعلوا ذلك الى يوم الدين.
هم الذين اغتصبوا الارض وهتكوا العرض وأطاحوا بعباد الله الصالحين.
هم الذين اجتاحوا القدس مرّات ومرّات وهي في أرضنا وهم المعتدين.
هم الذين زرعوا الفتن وقسّموا الناس وفرّقوا الاديان وكفروا برب العالمين.
هم الذين مسحوا من الوجود دولة فلسطين.
وهم الآن يمنعوا ولادتها غير آسفين.

أليس كل هذا ارهاب؟
أليس إرهابا تهديد اسرائيل بافتعال شلالات دم اذا ولدت فلسطين من جديد؟
أليس إرهابا تبجّح البيت الابيض بمعارضة ولادة هذه الدولة، بحجّة أنّ الولايات المتحدّة مع قيام  دولة فلسطينية يتم التفاوض عليها مسبقا بينهم وبين اسرائيل؟
أليس هذا ارهابا للعقل والمنطق والشرائع الدينية والمدنية؟
أليس إرهابا هدّ الحجر وقتل البشر في فلسطين؟
أليس إرهابا أن يُمنع شعب من ممارسة ابسط حقوقه المدنية؟
أليس إرهابا أن يعيش شعب في الشتات وأرضه السليبة يرتع فيها من ليس له حقٌ فيها؟
أليس إرهابا أن تحاصَر غزّة ويُمنع عنها القوت والوقود والمال الا بإذن مسبق من مجرم طليق؟

هل أصبح حق الشعوب في الحياة ارهابا؟
هل مطالبة الفلسطينيين بدولة آمنة مستقلة إرهابا؟
هل أصبحت الصلاة في المسجد الاقصى إرهابا؟

وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي لا يملك أجرة تنقّله من بيته الى عمله؟ هذا اذا كان يُسمح له بالعمل!
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي يُذلّ ساعات وأياما على المعابر العبرية؟
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي لا يستطيع قوت اولاده وتعليمهم؟
وهل الارهابي هو الفلسطيني الذي يأكل بإذن ويشرب بإذن ويعمل بإذن وينام بإذن.. ويبقى أن يجامع زوجته بإذن؟

وهل الذين ازالوا الدولة الفلسطينية وارعبوا شعبها ليرحلوا عنها ليسوا ارهابيين؟ والشعب الفلسطيني المشرّد والمشتّت وحده الارهابي؟
وهل الذين افتعلوا الحرب الاولى والثانية والحروب المتتالية بعد ذلك، وقتلوا الملايين، ليسوا ارهابيين؟ والذين يطالبون بدولتهم المغتصبة ويقاومون احتلال اراضيهم ومنازلهم ووطنهم هم الاراهبيين؟
وهل الذين انتدبوا أنفسهم لادارة فلسطين ثم سرقوها وأحلّوا مكانها اسرائيل ليسوا ارهابيين؟
وهل الاسرئيليون الذين نظمّوا وما يزالون، القتل المشرّع والاغتيالات والفتك والتدمير، ليسوا ارهابيين. والفلسطينيون الذين يُقتلوا ويُسجنوا ويُمارس عليهم أشنع أنواع التعذيب النفسي والجسدي هم الارهابيين؟

تاريخهم هكذا.... إذ كان قوم لوط يقطعون الطريق ويعتدون على المسافرين ويسلبون أصحاب الحقوق حقوقهم، واذا ما وصل الامر الى القضاء يفصل القاضي منهم بينهم في قضائه، فيدين المظلوم ويبرّيء الظالم، بل ويحكم له بالتعويض من ضحيّته.

يبقى أن نفيق من غفوتنا ونصرخ بوجه قادتنا أن يرأفوا بنا، وأن يفهموا أن بلادنا كلها عرضة للاغتصاب والسرقة والسلب. وأن شعوبنا كلها عرضة للقتل والشتات.
هم لا يحتملون العيش لحظة واحدة اذا مُنعت خيرات بلادنا عنهم، وهم يدركون ذلك ونحن نجهل ذلك.
فلذلك يا من تريدون رعايتنا وتولّي شؤوننا هبّو بكل قوتّكم لمحاربة ارهابهم.
انسوا لفترة وجيزة اطماعكم وخلافاتكم.
انصروا الحق ولو مرة واحدة في حياتكم.

لا تسمحوا أن يرهبوننا أكثر وأن يلحقوا دولة أخرى من دولنا بفلسطين.

ضعوا مرّة واحدة أنفسكم مكان طفل وطفلة من فلسطين، يحلمون بمستقبل لا يستطيعون السير اليه، ولا يريانه الا مظلما معتما.
اقتنعوا ولو مرة واحدة أنهم هم الارهابيون.

سامي الشرقاوي



قائمة المدونات الإلكترونية

التسميات